“كليو من 5 إلى 7” اجنس فاراد وثيمة الموت

Cleo from 5 to 7







الفيلم السينمائي كتعريف ماهو إلا “وجهة نظر لمخرج، لنص كتبها أحدهم، وشخّصها أخرون، ليعيش تجربتها المشاهدون”. ومن المؤكد أن تجارب المشاهدون تختلف وتتنوع، تنوع يحرضه عمق وجهة نظر مخرج، بما تمنح من مشاهد بصرية تُتيح للمشاهد زوايا عدة لإلتقاطها وإختبارها وعيشها.





ألم يحدث أن اختلفنا مع أحدهم في فهم “رسالة” الفيلم ومغرى المخرج، بل وقد يحدث إن نشاهد فيلماً لأكثر من مرة لنخرج بفهم وبشعور مختلف، فلماذا يحدث هذا؟





برأي الفيلم، أي فيلم وأي عمل فني، هو بمثابة نظاره نلبسها لتمنحنا مجالاً لرؤية مختلفة، قد تكون النظارة بألوان زاهية تمنح بهجة لما نراه أو العكس، أو قد تجعل النظارة الاشياء من حولنا أكثر رعباً أو حزناً أو إرتباكاً أو أقرب لنا مما نتخيل، أي أن تعيد تشكيل ما أصبحنا نراه بشكل إعتيادي. وفوق هذا، فنحن لانلبس نظاره واحده.. بل نظارات عدة. فمزاجنا وتجاربنا الشخصية وواقعنا المحيط تصبح كنظارات اضافية تحكم قراءتنا لفيلم ما. ففيلم أخرجه أحدهم في عام ١٩٣٠ حين نقراءه لن نستطيع التخلي تماما عن عين تعيش في عام ٢٠٢٠.منطلقات، تصبح كخلفية نقدية لقراءة فيلم ما.





المخرجة الفرنسية أجنس فاراد من المخرجات اللاتي تمنيت دوماً مشاهدة أفلامها من منطلق نسويّ وأيضاً بإعتبار ماتمثله كمخرجة من أحد رموز الموجة الفرنسية الجديدة في فرنسا. ومع هذا حين شاهدت أول فيلم لها، وجدتني لم أستطع الخروج عن دائرة أزمة كورونا في قراءة الفيلم!





الفيلم يدور حول شابة خارقة الجمال تعمل كمطربة بإمكانيات صوتية جيدة، الشهرة أو المال أوالتميز غنائياً لم تكن أحد هواجسها، بل كان قلق الموت هو ما يحركها طوال الفيلم. ليصبح الموت وقلقه ثيمة للفيلم وعليه تدور أحداثه. الفيلم يسجل حياة تلك المطربة خلال ساعتين فقط. تلك الساعتين هي زمن إنتظارها لمعرفة مصير حياتها، فقد أجرت تحليلاً طبياً وخلال ساعتين سيخبرنا طبيبها بنتيجته، إصابتها بالسرطان أم لا، وهذا مصدر قلقها.





يبدأ الفيلم والبطلة تجلس في غرفة صغيرة لقارئة بخت علّها تعرف لها تلك المرأة مصيرها، قارئة الكف ترى المصير ولكن لاتخبرها به، وإن أنبئت ملامح وجهها عن سوء المصير. تخرج الشابة باكية من عندها، لتبدأ رحلتها خلال الساعتين القادمتين. تنقلنا المخرجة وطوال الفيلم من ضيق مساحه غرفة الكاهنة إلى المساحات المفتوحة على إتساع مديد، فحتى شقة الشابة لا تشابه البيوت العادية، بل غرفة ممتدة بإتساع لاترى فيه جدران واضحة. وكأن هذا الإتساع في منزل المطربة والإتساع الذي تحرص المخرجة على تقديمة في الشارع ماهو إلا تمثيل لإتساع الحياة ذاتها، فهل للمطربة إتساع حياة قادم، أم ضيق كضيق غرفة العرافة؟





خلال ساعتيّ الإنتظار تلك، تحضر أربع شخصيات تتداخل كلاً منها مع البطلة ومصيرها المقلق، لتقدم كلاً من تلك الشخصيات “نموذجها” في التعامل مع قلق “السؤال” لدى البطلة، أي قلق الموت. النموذج الأول هو عشيقها، أو ماتسميه هي “رجل اللحظة” يزورها ليعيش معها لحظات، حيث لا يهُم فيها ماضي ولا تُقدم فيها وعود لمستقبل، يعيش اللحظة بكرم وسخاء ومتعة كما وصفته الخادمة. وكأن نمط عيشه هو نموذج لمن يتجاهل الموت ويستبعده كاحتمال قائم، ولأن البطلة أصبحت ترى الموت كإحتمال ممكن وقريب نجد “نموذج” عشيقها لا يمنحها شيئاً ومن هنا ضجرها منه.





الشخصية الثانية نجدها في صديقتها العارضة، لتتمثل إجابة الصديقة حول قلق الموت بالإستعراض الساخر أمام الموت، إنها تعي الموت ولكنها تختار أن تعيش فرح الحياة متمثلاً بإحتفاليتها بجسدها وتباهيها به عبر عملها كعارضة تُعرّي جسدها أمام الأخرين ليقوموا بمحاولة إقتناصه فيما هي تنطلق في الحياة ضحكاً وسعادة ، هي ليست كالعاشق، لا ترى الموت، بل تراه، ولكنها تختار تجاهله.





في المقابل، نجد الخادمة، كنموذج ثالث في تعاطيها مع قلق الموت، لا تتجاهل الموت بل تحدق فيه، وتحدق فيه رعباً وخوفاً مما يجعل الموت كطائر مشؤوم يحلق فوق رأسها طوال الوقت. ليتمحور إيقاع يومها في محاولة تجنب إشارات وعلامات الفال السيء، بشكل يجعل حياتها كمن يمشي على حبل مشدود يراقب كل خطوة له خشية الوقوع.





وحين تشارف الساعتين على الانتهاء تقابل البطلة كصدفة جندي يمنحها نموذجاً جديداً للتعامل مع قلق الموت. وهنا ضرورة التوقف لملاحظة أن النماذج الثلاثة السابقة هم من محيط البطلة، فيما النموذج الرابع وحده كان صدفة، ولكن الصدفة هي من جلبت لها الإجابة التي تبحث عنها، وهنا المفارقة!





الشخصية الرابعة هي لجندي عائد في إجازة قصيرة من حرب، بما يعني عيش تجربة الموت عدداً من المرات، سواء موت رفاقه أو موت أشخاص من الجبهة المقابلة أو إحتمالية موته الممكنة جداً. ومع هذا فهو يعيش يومه، يطرح عدداً لا محدوداً من الاسئلة، كما ينتظر عدداً أكبر من الإجابات، هو ببساطة لا يكترث بالموت. لا لأنه لايراه كما العاشق، بل لأنه يراه كحقيقة واقعه، فبدل محاولة الاستعراض أمامه لتجاهله كما العارضة، أو الركض هرباً منه كما الخادمة، يختار هومصاحبته وعيش حياته بإعتبار الموت هو الإحتمالية الوحيدة المؤكدة في هذه الحياة.





يقنينة الموت التي يحملها الجندي كحقيقة أزلية تحرر البطلة. يختفي قلق الموت عندها، فحين تذهب للمستشفى لأجل الحصول على نتيجة التقرير، فيصادفها الطبيب ويخبرها بلا مبالاة عن إصابتها بالسرطان، نجدها تتقبل الأمر بشكل هادئ، وكأن قلق الساعتين الماضيتين بلا مبرر. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الطريقة التي اختارتها المخرجة ليُخبر بها الطبيب البطلة عن حالتها، ذكية جداً، تدل على عنايتها بأدق التفاصيل.





الفيلم لم يتطرق لأي أعراض مرضيّة لدى البطلة ولا نعلم سبب زيارتها للمستشفى، كل مانعلمه أن البطلة في الفيلم تصور لنا عيش ساعتين من قلق الموت… ليصبح بهذا ثيمة الفيلم هي: كيف نعيش الموت/الموت كحقيقة؟ أي الطرق أفضل لمجابهة الموت، مع تقديم نماذج أربع لذلك..





لينتهى الفيلم والبطلة سعيدة وتضحك بلا هم أو قلق… فمع الجندي ومن خلاله إنتهى قلق البطلة رغم أن موجب القلق قد تحقق! وهو الموت. وكأن المخرجة تقول أن ما يقتلنا حقيقة في هذه الحياة ليس الموت بل قلق الموت.





هذه الثيمة هي ما جعلتني أفكر في الفيلم وارتباطه بأزمة كورونا. حين بدأت الأزمة ورأيت الهلع والقلق يغمر حياتنا بشكل مزعج وكريهة، كتبت: “هناك فلسفتان للتعامل مع العاصفة، فلسفة الشجرة وفلسفة العشب. فلسفة الشجرة تتمثل في الوقوف بشموخ وبقوة لمجابهة العاصفة، والنتيجة إما بقاء الشجرة بمكانها مع فقدها لبعض أوراقها أو اقتلاعها من جذورها. وهناك فلسسفة العشب، وتتمثل في الإنحناء بتواضع وحكمة وترك العاصفة تعبر طريقها. لعلنا مع كورونا نحتاج تواضع وحكمة العشب”.





هنا، أثناء مشاهدة الفيلم وجدتني أستحضر عبارتي تلك. لا أعرف إن كان الإسقاط مناسب، ولكن أليس من أحد اشتراطات الأعمال الفنية العظيمة قدرتها على أن تمنحك ثقوباً عدة، لتمتلك خيار أي ثقب ترغب في التطلع من خلاله لما حولك.

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on July 24, 2020 17:17
No comments have been added yet.