المواطن وشبح غلاء المعيشة وارتفاع فواتير الكهرباء (2-2)

لقد أصبح الناس يلجؤون لمدخراتهم لكي يستطيعوا مجاراة ارتفاع الأسعار التي تتهافت عليهم من كل صوب، وهي مجرد أسعار للعيش حياة كريمة لتوفير المأكل والملبس، وبعضهم نسوا شيئا اسمه ملبس وأصبحت كل نقودهم تذهب للإيجار والفواتير والبترول وإصلاح السيارة، وكثير منهم تذهب معظم نقودهم للأقساط البنكية!

فللأسف يمكننا القول أنه إذا كان دخل الأسرة المكونة من سبعة أفراد أقل من ألف وماءتين ريال، فإن العيش الكريم لهذه الأسرة يُعد حلما من الأحلام، في ظل التضخم الذي نعيش فيه، وخاصة إذا كان رب الأسرة يدفع إيجارا للبيت الذي يعيش فيه، أو أقساطًا بنكية.

والواقع يقول أن النسبة الأعظم من الشعب دخلها لا يتجاوز الستمائة ريال في الشهر، ونسبة كبيرة منهم لا يتجاوز الثلاثمائة وستين ريالا، فكيف يمكن لهؤلاء العيش بكرامة في ظل وطن يُعد من الدول الغنية بموارده وتضاريسه وموقعه الاستراتيجي!

فإذا كان ربّ الأسرة يبقى من راتبه خمسين أو ستين ريالًا يدَّخرها للمصاريف الإضافية التي تستجد فجأة، كتجديد ملكية السيارة أو إصلاحها مثلا، أو يشتري ثلاجة جديدة إذا تعطلت القديمة، أو يُفسِّح بها أولاده ويشتري لهم آيسكريم أو عصير  أو ساندويتش، فالمقتدر من ذوي الدخل المرتفع لا يعرف ماذا يمكن لرجل فقير أن يفعل بريالات قليلة تبقى من راتبه، إنها كالمُسكّن يفيد في الحالات الضرورية، ولكن حتى هذا المبلغ البسيط صارت تلتهمه أسعار البترول وضريبة القيمة المضافة، وكان يعتقد أنه سوف يستطيع الصمود بتقليص مشترياته أكثر من ذي قبل، حتى تتبقى من راتبه ريالات قليلة يدخرها للمصاريف الإضافية، ولكن ما أن حلَّ الصيف حتى استعرت فاتورة الكهرباء، فقصمت ظهره ولم يعرف كيف يُدبِّر أمره، وكيف يحفظ ماء وجهه عن اللجوء للاقتراض أو مدَّ اليد للجمعيات الخيرية، لدرجة أنه فكر من حرمان أولاده من مصروفهم اليومي حتى لا يضطر للاستدانة، أو أن يبيتوا بلا عشاء كل ليلة!

هذا من كان راتبه يكفيه لآخر الشهر، فكيف بالذي راتبه أساسًا لا يكفيه، وكان يعتمد على الجمعيات الخيرية، فالمبالغ التي كان يحصل عليها من الصدقات والزكاة كانت تسد جوعهم، أما اليوم ومع تكالب الظروف عليه، أصبح في حيرة من أمره هل يشتري بتلك المبالغ مؤونة للبيت أم يسدد بها فاتورة الكهرباء أم يدفع بها فاتورة الانترنت الذي اضطر لتوصيله للبيت بعد أن اجتاح فيروس كورونا العالم وأصبح التعلم عن بعد!

وهل الجمعيات الخيرية التي تكاثرت مع تكاثر الفقراء، هل ستستطيع شراء المتطلبات الضرورية للفقراء أو ترميم بيوتهم، أو بناء مسكن لهم ليتخلصوا من شبح دفع الإيجار، أم أنها ستركض لسداد ديون الفواتير التي تتراكم أسعارها كل شهر!

فقد أصبحت النزهة لأسرٍ كثيرة حتى لو لساعاتٍ قليلة يعتبر شيئًا من الترف، لأن رب الأسرة يكافح ويجاهد لكي يدفع متطلبات الحياة الضرورية وحسب، أحدثكم عن الطبقة الفقيرة أما الطبقة المتوسطة فهي الآن تتآكل لأنها تصرف من مدخراتها حتى تتحول للطبقة الفقيرة، وبذلك سوف يتحول الشعب لطبقتين، طبقة الأثرياء وطبقة الفقراء، وحتى هاتين الطبقتين سوف تنقسم كل واحدة لطبقتين، وهي طبقة الأغنياء وطبقة الغنى الفاحش، وطبقة الفقراء وطبقة الفقر المدقع!

مع اختفاء الطبقة المتوسطة، وكما نعلم أن وجود الطبقة المتوسطة أمر صحي للغاية في كل مجتمع، لأن اختفائها يعني تشكل الطبقية المقيتة بكل صورها البشعة، ولا نريد أن يحدث هذا في عُمان.

وبالتأكيد بعدما يتحول المجتمع لطبقتين سوف تكون الطبقة الفقيرة هي الأعلى، وإذا حدث هذا فإنه سوف يُشكل عبئًا كبيرًا على الدولة إن لم تتدارك الأمر من اليوم بإيجاد الحلول بسرعة.

وهذا حدث في أزمة كورونا، ولكن ماذا بعدما تنتهي الأزمة وتفتح المدارس بمتطلباتها الكثيرة، ويرجع طلبة الجامعات إلى مقاعد الدراسة، ويضطر الأهالي لدفع إيجار السكن عن أبنائهم الذين يدرسون بعيدا عن بيوتهم، فعلاوة الدراسة لا تسد مصاريف الطالب، فالغلاء يحيط به من كل جانب، والعلاوة لم تزداد قيمتها بالرغم من ارتفاع الأسعار، والطلبة الذين لا يستلمون علاوة الدراسة يضطر الأهالي لدفع مصاريفهم كاملة، وماذا سيحدث عندما تعود الحياة لطبيعتها، وتزداد النزهات، وتتضاعف مصاريف العيد، وترجع الزيارات الأسرية كالسابق، كيف سيستطيع من لا يكفيه راتبه اليوم الصمود؟ وكيف سيُقلِّص مصاريفه وهو اليوم بلغ تقليصها لأبعد الحدود؟! هل يقتطع مبالغ أكبر كانت من نصيب شراء مؤونة البيت مما سيؤدي إلى تدهور الصحة وزيادة أعداد المرضى وتحمل الدولة لمصاريف أكثر لعلاجهم، غير أنهم سوف تقل انتاجيتهم مع تزايد الإجازات المرضية، أو يحرم أبناءه من الدراسة لأنه لا يستطيع دفع مصاريفهم الدراسية؟! أم يبحث عن عمل آخر يكد فيه في الفترة المسائية بعدما كد طوال النهار، هذا لو وجد عملا؟!

ولذلك لو تراجع الحكومة نفسها ستجد أن هذه الحلول التي تمس المواطن في أعمق نقطة من كرامته سوف تعود عليها بالكوارث، فتدارك الأمر خير من الاستمرار فيه، قبل تفاقم المشكلة أكثر وتحول الوطن لجمعيات خيرية!

فنحن لا نريد أن يحدث ذلك، حتى لا تستشري الطبقية في المجتمع أكثر وأكثر، فعندما نخرج من بيوتنا نجد الباعة المتجولون في كل مكان، فلا نتعرف على بلادنا، فنتساءل في أعماقنا: هل نحن في عُمان أم سافرنا إلى إحدى الدول الفقيرة؟!

وتكاثر الجمعيات الخيرية في الآونة الأخيرة جعلنا نسعد، ولكن لم تمضِ فترة طويلة حتى اكتشفنا الفخ الذي وقعنا فيه، فعوضًا عن أن تعمل هذه الجمعيات على مساعدة الناس في أيام الكوارث والمحن أو مساعدة الناس في أوقات الشدة التي قد يمر بها أي شخص في فترة من فترات حياته بسبب كبر سنه، أو تعرضه لمشكلة، وعوضًا عن أن تقدم المساعدة لأخواننا الفقراء في الدول الأخرى، أصبحت معظم إيراداتها تذهب لمساعدة الفقراء في الوطن، وهم يتكاثرون ويزداد عددهم كل يوم، حتى أصبح العدد كبير جدا، يصعب حتى احتوائه بالمساعدات التي تأتي من الجمعيات الخيرية!

وأصبح المواطن يلوم نفسه لأنه لم يعمل على تنويع مصادر دخله بالاستثمار، ولكن أين يا ترى سيستثمر أصحاب الريالات القليلة في عُمان، وخاصة أن شركات كثيرة طُرحت للاكتتاب منذ سنوات طويلة دون أن توزع أرباحًا على المساهمين، فأين الرقابة على هذه الشركات؟!

لذلك بعدما اكتشف المواطن أنه لا دخل له فيما وصل إليه من سوء حال توقَّف عن لوم نفسه، والمحزن في الأمر أنه حتى عندما قرر أن يبيع الأسهم التي اشتراها منذ سنوات دون أن يستلم ريال واحد من فوائدها، اكتشف أن سعرها أقل من السعر الذي اشتراها به!

وحدًّث نفسه متعجبًا: كل شيء يرتفع في هذه البلد إلا سعر الأسهم، أم أنه قاده حظه العاثر للاستثمار في شركات لا توزع أرباحا، ولا ترتفع أسعار أسهمها، علما أن أعمالها تبدو مزدهرة على أرض الواقع!!

ولذلك بعدما ضاقت عليه اضطرت زوجته بيع أرضها التي استلمتها قبل أشهر، باعتها حتى لا يدخل زوجها السجن، بعدما تراكمت عليه الديون، الأرض التي ظلت تنتظرها عشر سنوات، باعتها حتى قبل أن يرتفع سعرها، فالحكومة لا تعلم معنى أن تحصل المرأة على أرض، فهي تحل أزمات كثيرة، بعضها قاتلة، لذلك قررت منح كل زوجين أرض واحدة مؤخرا، وهذا القرار تساوى فيه الفقير والغني دون مراعاة للفقير كالعادة عند صدور أي قرار!

وأذكر قبل سنين قليلة قامت إحدى الأسر بصيانة بيتها بإعادة صبغه، وتوسيع الحوش وتبليطه، مما ازداد البيت جمالا واتساعا، وحينما كنت أثني على ما حدث من تغيير للمكان أخبرتني ربة البيت أنها باعت أرضها التي حصلت عليها مؤخرا لكي تصلح البيت، لأن ظروف زوجها المالية لا تسمح بصيانته، وقامت بالمبلغ المتبقي السفر لعلاج عينيها وركبتها، مما خفف عنها ألام كثيرة، وكان المبلغ الذي باعت به الأرض أربعة آلاف ريال، شكَّل فارقًا كبيرًا لامرأة محتاجة استطاعت به تحقيق حُلمها.

فأين يستثمر المواطن وكيف يزيد دخله إن لم يُنشئ مشروعًا يديره بنفسه، وكل من جرَّب سلوك هذا المجال يكتشف الصعوبات الكثيرة التي تجبره على التوقف، وخاصة إذا كان غير متفرغ للمشروع، لذلك بعدما اكتشف المواطن الحقيقة كفَّ عن لومِ نفسه، وأصبح كل لومه يقع على الحكومة!

وأصبح المواطن اليوم يضع يده على قلبه خوفا من القوانين التي ستصدر لاحقا، ومنها قانون العمل الذي طال انتظاره ظنا أنه سيأتي بالخير العميم في ظل توقف الترقيات وارتفاع الأسعار، ولكن اليوم نجد المواطن لا يريده أن يرى النور ويرجو أن يستمر الانتظار خوفا من أن يمس شيء آخر يخص معيشته بكرامة!

والآن لست بصدد الحديث عن جشع بعض المستشفيات الخاصة وكيف استغلت جائحة كورونا للتكسب من ورائها حتى تضخمت أرصدتها في البنوك جدا، حتى لا يطول المقال أكثر.

وبالتأكيد أن الحكومة باستطاعتها السيطرة على هذا الامر؛ بفرض سقف محدد لأسعار العلاج وعمل الفحوصات والعمليات، فليس من المعقول أن يترك الأمر دون رقابة حتى اشتعلت أسعار العلاج في هذه العيادات والمستشفيات الخاصة عوضًا عن تخفيض الأسعار لأن معظم الناس اضطروا للجوء إليها في ظل الجائحة التي يشهدها العالم.

فإذا لمس المواطن أن الحكومة تسعى لمحاربة الفساد جديا، سواء الفساد في المؤسسات الحكومية أو في القطاع الخاص، فإنه بالتأكيد سوف يصبر على كل القرارات التي تصدرها الحكومة لإصلاح أحوال البلاد الاقتصادية، لأن الإصلاح سوف يعدل الأمور وسوف تعود للأفضل في سنوات قليلة، أما لو استمر استشراء الفساد فلابد أن المواطن سينفجر بعد صبر طويل، ولقد رأينا دولًا كيف خرجت من خط الفقر بسبب الضرب بيد من حديد على المفسدين حتى فاضت خيراتها.

فيجب أن لا نسمع مرة أخرى عن فلان الذي اضطر للتقاعد المبكر بسبب محاربته في مقر عمله بسبب نزاهته وانتقاده لكل ما يضر بالوطن، يجب أن يكون هذا الأمر من الزمن الغابر، بالرغم أنه كان من يشعر بالاضطهاد ومحاربته في مكان عمله كان يختار التقاعد المبكر ليريح نفسه من الحروب، بينما اليوم مع نظام التقاعد الجديد لم يعد ممكنا!

ولذلك يجب مراقبة الوضع، فيُرفع الشريف ويحارب غير ذلك، وليس العكس، ويجب أن تختفي (التحزبات) و (واللوبيات) التي تتشكل في أماكن العمل، وأن تصبح من الزمن الغابر أيضا، فلا نسمع بها مرة أخرى، ومسافة الألف ميل تبدأ بخطوة، ونحتاج اليوم لهذه الخطوة جدا، وأن تكون خطًى سريعة، وليست كالسلحفاء، حتى نتدارك ما قد يحدث في المستقبل القريب، لو استمر الوضع هكذا.

لذلك يجب على الحكومة إيجاد طرق أخرى لحل الأزمة المالية، حتى لا يتحول الوطن لبؤر كثيرة للفقر المدقع، حتى لو توقفت بعض المشاريع غير الضرورية، أو تم تقليص المصروفات في بعض القطاعات، مع مراقبة بؤر الفساد، واحتوائهم ومحاسبتهم، عوضًا عن أن يدفع المواطن الفقير الثمن، وساعتئذ فإن الحكومة ستدفع ثمن مضاعف، وكما نعلم دفعت الدول الأخرى ثمن ذلك كثيرا، من تزايد حالات الجريمة وغيرها من المشاكل التي سببها الأول الطبقية المقيتة، والفقر المدقع هو القنبلة الموقوتة التي ربما تنفجر في أي لحظة، ويمكن عبرها تمرير أي أجندة خارجية لزعزعة أمن الدولة، فلا شيء أخطر من إنسان ليس لديه ما يخسره.

    

  عزة بنت محمد الكميانية

    أغسطس 2021م                                                                                                                                                                                                 


 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on October 27, 2021 09:04
No comments have been added yet.


عزة محمد الكمياني's Blog

عزة محمد الكمياني
عزة محمد الكمياني isn't a Goodreads Author (yet), but they do have a blog, so here are some recent posts imported from their feed.
Follow عزة محمد الكمياني's blog with rss.