المرخ الأخير/ فيلم بلوغ … قراءة انطباعية
لتكتب نقداً حول فيلم ما، ربما عليك مشاهدته مرتين على أقل تقدير، مرة أولى بعين المشاهد، ثم مرة ثانية بعين الناقد. عين المشاهد، عين أكثر براءة فهي تبتغي عيش لحظة متعتها الخاصة. وهذا يتناسب والهدف الجوهري لأي عمل فني، وهو خلق لحظة متعة عند المتلقي. أليس كل عمل فني وكل فعل نقوم به سينتهي إلى الغاية الأسمى وهي كسر هذا الملل الوجودي، مهما إتشح مسمى العمل بعباءات ثورية لتغيير العالم. في المقابل، عين الناقد هي عين مترصدة، تحاول قراءة التقنيات المستخدمة من حيث براعتها وقدرتها على إيصال فكرة الفيلم.
فيلم “بلوغ” لم أشاهده إلا لمرة واحدة، فلا مكان إلا لكتابة تنطلق من عين المتفرج. وهنا علينا التذكير أن المتفرج دوماً سيكتب برؤية إنطباعية، فيما الناقد سيكتب برؤية تقيميه، وعيش العالم انطباعاً أقرب لطباعي من عيشه تقيمياُ.
فيلم بلوغ هو محاولة لتتبع خمس حكايات مختلفة تقدمها خمس مخرجات، حيث القاسم المشترك في تلك الحكايا هو المرأة عبر عرض لأهم الأحداث في حياة المرأة، أي إمرأة وفي أي مجتمع. هذه الأحداث لكل منها ثيم مختلف ومستقل في كل فيلم من الأفلام الخمسة، حيت الثيمات هي: الزواج، الإجهاض، العيش كمطلقة، الحاجة للأمومة، البلوغ. وكأن الفيلم بحكاياه الخمسة يقدم منظور لحياة المرأة في مراحل عمرها المختلفة بمحطاتها وأزماتها المتعددة.
وهذا يذكرنا بتحليل عالم النفس اريكسون لمراحل النمو النفسي/الإجتماعي للأفراد، حيث أن لكل مرحلة عمرية خصائصها النفسية، ومن ضمن تلك الخصائص، الأزمة النفسية المتوقع مجابهتها بحسب كل مرحلة عمرية. وليصبح التعامل مع أزمة كل مرحلة عمرية بفعالية ضماناً للإنتقال للمرحلة العمرية القادمة بسلاسة نفسية أفضل. الفيلم أيضاً يتناول الأزمات التي تعيشها النساء في حياتهن، لا عبر مراحل عمرية ولكن عبر محطات حياة المرأة من زواج وطلاق وحمل.
الفيلم يعد فيلما تجريباً بربط قصص تم كتابتها وتصويرها بشكل متفرق وبدون تداخل أوترتيب مسبق بهدف خلق حالة شعورية عامة عند المتفرج. بعض تلك القصص استطاعت الوصول للمشاهد وبعضها توقفت في منتصف الطريق وكأن صانعيه أصابتهم الحيرة في وسط الطريق أو لعلهم تعمدوا خلق حالة القطع والحيرة تلك لدى المشاهد.
عملية تناول كل فيلم من الأفلام الخمسة يستلزم سلسلة مقالات لإيفاء التجربة حقها في القراءة. لذا، هنا سيتم تناول فيلم واحد منها. فيلم المخرجة هند الفهاد أقل الأفلام الخمسة إصابة للمتفرج بدهشة الإنقطاع والغموض، وبذات الوقت هو الأكثر إتقاناً وتحكماً في استخدام التقنيات السينمائية وكذلك في عرضها لحكاية لها بداية ونهاية ومعضلة تشكل صلب البناء الدرامي للعمل. الحكاية قد تكون تقليدية فهي عن امرأة متعلمة تسعى للحمل، في سعيً يُحركه اليأس، لتجد نفسها تمضي في طريق محتمل ليُبلغها هدفها، حتى وإن تعارض هذا الطريق مع هويتها وخياراتها في الحياة في أن تكون امرأة متعلمة وعاملة في الحقل الطبي.
الفيلم لم يركز على الصراع داخل تلك المرأة، أي الصراع الذي قد تعيشه امرأة ترغب بما يستكمل أنوثتها وهوية جندرها، وفي طريقة تحقيق هدفها يكمن صراعها؛ وذلك بين أن تسعى لهدفها وفقاً لنمط عيشها أو تفعله وفق لنمط عيش جدتها. نمط عيش جدتها الذي رفضته ضمنياً بخيارها إكمال تعليمها والحصول على عمل والعيش وفق نمط الحياة العصرية.
رغم جاذبية التركيز على المرأة الراغبة بالحمل، إلا أن الفيلم اختار التركيز على المرأة الأخرى: “المعالجة الشعبية”، لتكون هي محور الحكاية. امرأة تعيش واقعها دون خوض صراع ثقافي فهي تمارس وبإجادة ما يختزله أرثها الثقافي، ومع هذا لم تخلو حياتها من أزمة. أزمة خذلان جسدها حين بدأ الزهايمر يتسلل إلى ذاكرتها ويجعلها وهي التي يعتمد عملها وهويتها على تذكر الأشياء بأسمائها وروائحها وكمياتها. وحين تبدأ الذاكرة في التلاشي لا يبقى في الذكرى إلا إبنتها. أليس في هذا غرابة؟ هل تعمدت المخرجة أن تجعل الزهايمر يقتحم عقل المعالجة من خلال إبنتها وبالتالي أمومتها المُقتصه بوفاة الأبنة؟
أجد في هذا الإختيار ذكاء حاد، وكأن الامومة بهذا، هي جوهر وجودنا كنساء، فامرأة تفقد ذاكرتها وما يترتب على ذلك من تأثير قد يكون مدمراً على مهنتها وعلاقاتها مع صديقاتها وجاراتها وكذلك وضعها الاجتماعي والاقتصادي، إلا أنه لا يتبقى إلا حقيقة أصيلة: أنها أم لإبنة، حتى وإن غابت هذه الإبنة بموتها. فيما المرأة الأخرى مهما أخذها علمها ومسار حياتها المهني من طريقة عيش، إلا أن رغبتها بالأمومة جعلها تستعيد عيش جدتها وطريقة تداويها. وكأن الفيلم يقول لنا: كنساء لا مصير لنا خارج حالة الأمومة، سواء كواقع نعيشه أو كمستقبل ننتظره أو كماضي نستعيده حتى لا نهلع لفداحة فقده.
بالعودة إلى الفيلم بقصصه الخمسة، نجد أن الفيلم بعنوانه باللغة العربية “بلوغ”، وفي هذا إحالة لصفتين؛ إما للوضع الفسيولوجي/النفسي الذي تعيشه المرأة في حالة إنتقالها من الطفولة إلى الإكتمال الإنثوي، الإحالة الثانية فتذهب إلى المعنى القاموسي حيث البلوغ يشير إلى الوصول. في المقابل، الترجمة المعتمدة لأسم الفيلم هي becoming بما تعني الصيرورة أو التكّون أي أن الإحالة هنا للعملية ذاتها، فبين وصف واقع المرأة وبين صيرورة مصيرها، تقع أزماتها.
الفيلم بمجمله جميل حيث نستمع لمجموعة من الأصوات النسائية التي تحاول “بلوغ” المتفرج عبر حكايا نساء. ولكن هل القاسم المشرك بين القصص الخمسة هي المرأة وحدها، أم أن هناك قاسماً أكثر صخبأ في وجوده بين هذه القصص وهو غياب أو تغيّب الرجل في كل تلك الحكايا. فهل يلزم بلوغ المرأة وتشكيل صيرورتها تهميش الرجل لخلق حالة من إعادة توازن لوضع معوج. أم هل يُخيف حضور الرجل بهيمنته بما يُعجز النساء من حكي حكاياتهن، فكان لا بد من عملية التغيّب هذه؟ من هنا، فلعلنا كنساء وكنسويات نتسائل: هل يحررنا ويمنح صوتنا قوة وحضور أكثر فعالية حين يغيب صوت الرجل، الصوت الذي ضل مسيطراً لزمن. أم أن المسالة ليست تهميش لحضور الرجل، بقدر ماهو إحتفال بالقدرة على سماع صوت المرأة، وفي هذا يتحقق البلوغ.


