عيد ميلاد على ورق

لن أحتفل هذه المرة، ليس امتعاضاً أو حزنا على سنوات عمر تمضي. فحتى هذا الامتعاض يصبح مكرر وملل بتعاقب السنوات. كل مافكرت به هو أن أجعله يوماً يمشي على سجيته، كما أفعل في حياتي كلها، عيش بلا خطط مسبقة. لأجدني أتوجه للكتابة. الكتابة التي عاهدت نفسي على التوقف عنها، ليس كفراً بالنشاط الثقافي، فلا بأس بالقراءة، أما الكتابة فلا جدوى لها.

لا أؤمن بمصطلح أزمة منتصف العمر. أجدها عبارة تختزل إشكاليات وأزمات نفسية وفكرية قد يعيشها الفرد في مراحل عمرية متفاوتة، قد تبدأ منذ منتصف المراهقة وحتى الشيخوخة. حين يتسائل الفرد عن خطواته في الحياة وجدواها، وما الذي يرغب بفعله، وهل مافعله سابقاً مناسب أم لا. هذه اسئلة تراودنا طوال سنوات حياتنا، فلماذا نعرفها ونحصرها بأنها أزمة منتصف العمر، ماهو منتصف العمر تحديداً؟ هل هو رقم محدد أم حالة؟ وإن كانت حالة طال مداها لدى فرد، فهل يتغير مسماها. كل هذه أسئلة تجعل المصطلح عديم الدلالة برأي. حيث أن من متطلبا المصطلح الجيد للإستخدام هو يحصر التعريف بحالة محددة بشكل يشخصها، وهذا المصطلح لا يفعل.

منذ عدة أشهر اقتربت من حالة مايًطلق عليها أزمة منتصف عمر. في تلك الفترة، أصابتني حالة تشكك بذاتي وبطريقة إدارتي لخيارات الحياة، تشكك إقترب من الغوص الكئيب بشعور الفشل. إحباط يتعلق بالمهنة، والكتابة وإرباكاتها، وشعور بالوحدة على المستوى الشخصي. هذه الأخيرة كانت الأقسى. في العلاقة مع الآخر يتحقق بعض اكتمال، فلا اكتمال متحقق. في العلاقة تجد صوتاً آخر يقول لك: أجدك تستحق أن تكملني، وأرغب بعيش هذه الحالة وتجربتها معك أنت.

في الوحدة، أنت لست إلا شجرة صحراوية تتقاذفها الريح، تلتف حول نفسها ليقذفها الهواء في كل اتجاه، توهان لا يستقر على حال. من بعيد، قد يُنظر لتلك الشجرة بحسد لخفة حركتها وسرعة تنقلاتها، لتحررها من الجذور، ولكن هل تصبح الشجرة، شجرة بلا جذور.

في تلك الأزمة، وجدتني أكتب التجربة لوصف الشعور بالنبذ وعدم الجدارة بسبب الوحدة تلك. ليست المسألة إنعدام ثقة بالنفس، وقد تكون! ولكننا ذوات ترى نفسها و تختبرها من خلال التماس مع الآخر، وحين يغيب الآخر فإن البوصلة تغيب. من هنا كانت الكتابة تتخذ منحى التقييم السلبي للذات ولتجربتي الحياتية. حين أنهيت الكتابة، لا أعرف خطر ببالي إرسال ذلك النص لصديق، كنت أرغب بمعرفة رأي رجل، لأبحث عن استعطاف، ولكن لعلني اختزلت في الصديق جميع الرجال، لأجل إختبار فكرة محورها هذا السؤال: هل المرأة التي لا يوجد رجل في حياتها، هي أنثى أقل؟ لا أعلم، أهذا هو السؤال المحرك أم أنني كنت أسعى لتحدى شعور الفشل والخوف عبر إعلان ذلك الشعور لرجل!

خرجت من الحديث مع الصديق أكثر إرباكاً، لأذهب لصديقتي وأختي، فمعها أكون ذاتي، معها دائماً ما أجد رداً حاداً وقاسياً كقسوة الحقيقة! ردها كان في طلبها أن أدخل على رسائل الخاص لحساباتي في السوشيال ميديا. حين فعلت وجدت رسائل مجهولة من غرباء يحاولون عيش حالة عاطفية. كانت الرسائل تلك، مرمية بعضها لم يفتح وبعضها الآخر فُتح دون إجابة. حينها قالت لي صديقتي: إن كنت تقارنين وضعك بالأخريات ممن يعشن علاقة عاطفية، فإنهن يستجبن لرسائل كتلك. أنت من يمتنع عن الرد، أما “استهيافاً” للطريقة أو لأن فكرة الشريك /توأم الروح هي التي تسيطر عليك. وهذه الفكرة ليس لها وجود على أرض الواقع، وهذا سبب وحدتك. إنها إختيارك.

يالغرورنا وبراءة مشاعرنا. كلماتها تلك أراحتني. لم ينقص شعور الوحدة درجة واحدة، ولكن الأن أصبح حالي نتيجة اختياري أنا. لم يتجاهلني الآخرين أو يرون عدم جدارتي، بل إنه أنا من حلمت بتواصل متجاوز، قد يحصل وقد لا يحصل، لا يهم لكنه يُشكل يقيناً لدي.

اليوم، وفي عيد ميلادي برقمه المرعب، أجد تلك الفكرة المزعجة عن الذات قد تبخرت، رغم أن لا تغيّر قد حصل، فلا زلت أعيش أيامي بتفاصيلها ذاتها. فما الفارق إذن؟ إنها زاوية النظر فقط، وإعادة تفسير لذات الأمر. حياتي الأن، هي إختيار خاص لم تضعني الظروف أو يجبرني عليه الآخرون بشكل كامل. بعد الحديث مع الصديقة، وجدتني أستذكر فرص لعلاقات أنهيتها قبل أن تكتمل، ومشاريع زواج رفضت حتى التفكير بها، لأن فكرة تؤام الروح تلازمني، ولا يهم أن كانت الفكرة صحيحة أم لا. قد أعيش حياتي ولم أحقق الفكرة، ولكن أعي بشكل كامل أنني لن أكون سعيدة في علاقات “النصف إشباع”. ألا يكون هذا شكلاً من الاكتمال؟ لا اعتقد، ولا أجرؤ على الاعتقاد بذلك، ولكن حالياً أشعر بالرضا بصحبتي لذاتي.

الحالة التي وصلت لها الآن، تجعلني اسأل: هل الحياة هكذا؟ أي أننا لا نحتاج أن نغيرها بالكامل أو نشقلب احداثها، بل أن نكتفي بان نغير شكل حكايتنا للحكاية، حكاية حياتنا. حين كانت وحدتي لأن لا رجل تقدم للزواج مني كان شعور يتملكني بالقلة والخيبة من الذات،  ولكن حين أصبحت الوحدة بسبب خيارات شخصية وإيمان عميق، وجدت شعور الرضا والتوازن يغمرني. ولعل هذا أجمل هدية عيد ميلاد حصلت عليها.  

7-1-2023

*الصورة إلتقطتها اليوم صباح يوم عيد ميلادي، لتبدأ بعدها الكتابة

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on January 07, 2023 07:52
No comments have been added yet.