فخ تويتر ومواقع التواصل الأخرى
عزة بنت محمد الكميانية
هل حدث أن صوَّرت يومًا شجرة ثم نشرتها في مواقع التواصل الاجتماعي ثم ماتت واجتثت من جذورها؟ هل حدث أن صوَّرت طفلك ونشرت صورته ثم مرض أو أصيب أو ازدادت شقاوته وعناده؟ هل حدث أن صورَّت وجبتك المفضلة ونشرتها ثم لم تستطع أكلها مرة أخرى؟
هل حدث أن نشرتِ صورة ساعتكِ أو أسوارتك المحببة إلى قلبكِ ثم انكسرت؟
هل حدث أن تفاخرت في مواقع التواصل الاجتماعي أنك تحتفل بعامك الأربعين أو الخمسين بالرغم أن وجهك يوحي وكأنك في الثلاثين، ثم لم تمضِ سوى مدة قصيرة حتى مرضت؟
إن تويتر ومواقع التواصل الأخرى ليست المكان المناسب الذي يمكن الفضفضة أو نشر يومياتك فيه، حتى لو قلت أنك لم تنم سوى ساعتين في الليل سوف يأتي من يقول لك: أشكر ربك أنك نمت ساعتين أما أنا فلم أنم طوال الليل، وربما عشرات آخرون لا يردُّون ولكنهم يقولون في أنفسهم: أنت نمت ساعتين بينما نحن لم ننم أبدًا!
حتى أحزانك لا ينبغي أن تظهرها في هذه المواقع؛ لأنك كلما كتبت عنها ازدادت، وهذه المواقع ليست المكان المناسب لإظهار سعادتك أيضا، لأن هناك التعساء الذين يحسدون الآخرين على سعادتهم، فليس كل أحد يذكر الله تعالى ويتمنى الخير للآخرين ويسعد لسعادتهم، ولذلك احتفظ بخصوصياتك لنفسك، فعندما تنشر يقرأ مئات أو ربما آلاف البشر تغريدتك في لحظة، لذلك عندما يحدث لك شيئًا أو لأحد أحبتك نشرت صورته أو خبرًا عنه أو سعادة أحاطت بكما لا تلومنَّ إلا نفسك.
فهناك الكثير من الحمقى يظنون أن الناس الذين يُظهرون سعادتهم هم سعداء فعلًا، وربما يحسدونهم، وأحيانًا يحاولون الانتقام منهم أو إيذائهم، وهم لا يعلمون أنهم أرادوا أن يرى الناس الجانب المشرق من حياتهم، واحتفظوا بالجانب المظلم في صدورهم، ولو أنك شققت عن صدورهم لأشفقت عليهم، والعاقل من يفهم تقلبات الزمان، فلا يحسد أحدًا على سعادة غمرته، أو نعمة منَّ الله بها عليه، فكل إنسان يعبر هذه الحياة سيأخذ نصيبه من الفرح والحزن، ولذلك من الحكمة أن لا ننخدع بكل شيء نراه، ومن الحكمة أيضًا أن نذكر الله تعالى حينما نرى شيئًا أعجبنا: وجهٌ حسن، إنسانٌ متفوق ونشيط، موهبةٌ عظيمة وهبها الله تعالى لأحد خلقه، أشياءً كثيرة تذهلنا، فلنذكر الله تعالى وندعو لهم بالخير، حتى لا نحسد أحدًا، فعين الحسد حق، فكم من البيوت هُدمت؟ وكم من الأنفس مرضت؟ وكم من شخصيات فشلت وسقطت من قمتها؟! والسبب عين الحسد، أعاذنا الله منها.
ومن يقع في فخّ تويتر ومواقع التواصل الأخرى يُستهلك فكريًا ونفسيًا وجسديًا، وخاصة الشخصيات المعروفة والمشهورة التي تتولى مناصب قيادية أو أصحاب العلم والحكمة، فهو يشعر أنه مجبرٌ على أن يبدي رأيه في كل صغيرة وكبيرة، وخاصة فيما يخص قضايا الوطن أو قضايا الأمة، والحقيقة هو ليس مُجبرًا على أن يكون له رأي في كل شيء، وحتى لو كان له رأيًا فإنه ليس مجبرًا على إبدائه في كل أمر، لأن مجاراة الأحداث اليومية باستمرار فيه إرهاق للعقل والجسد، والإنسان يحتاج للراحة دائمًا، وربما إذا لم يفعل سيُتهم بأنه متخاذل أو أن الوضع يعجبه؛ لأنه لم يستنكر ما حدث أو أنه ضد ما حدث لأنه لم يؤيده!
ويظل أصحاب النوايا الحسنة، والأنفس الخيّرة في حيرة من أمرهم، هل يشاركون في كل صغيرة وكبيرة، أم ينسحبون لأن ذلك يستهلك طاقاتهم، أو لأنهم يريدون أن يبتعدوا عن سفائف الأمور، ولكن يظل السؤال الذي يُحيرهم: لو انسحبوا لمن يتركوا الساحة؟ ربما يتركوها لأصحاب النوايا الخبيثة، والنفوس الشريرة، ليعيثوا فسادًا وينشروا أفكارهم المنحرفة، وربما ينجحوا، وخاصة حينما يتعلق الأمر بالدين، أو أمن البلاد، أو فيما يتعلق بقضايا الأمة المصيرية الكبرى.
لذلك يحتاج الأمر إلى تنظيم للدخول لهذه العوالم الافتراضية، وبشكل متقطع وعلى فترات متباعدة، حتى لا يُصاب الإنسان بالتعب والإرهاق.
فتويتر ومواقع التواصل الأخرى هي أحد أسباب التوتر والإرهاق والقلق، وأخذ جرعة كبيرة من التوتر كل يوم وباستمرار يؤثر على الصحة النفسية والجسدية على المدى الطويل، حتى لو لم تشعر بها الآن فإنه بعد مضي سنوات ستصبح واضحة جدا حينما تستهلك صحتك، فتظهر في تجعدات بشرتك، وملامح وجهك، وسوف يداهمك الشيب مبكرًا بينما أقرانك ينعمون بالشباب، بالتأكيد أنك لا تريد أن يحدث لك ذلك، ولذلك يمكن تدارك الأمر، بالابتعاد عن كل ما يزعجنا ويقلقنا ويعرضنا للحزن والتوتر، وهناك أشياء من الصعب تجنبها، كالحوادث التي تحدث لنا كل يوم أو على فترات متباعدة، لكن بالتأكيد نستطيع أن نبتعد عن الحوادث التي تحدث بعيدًا عنَّا وندخلها لبيوتنا عبر أجهزتنا الذكية، ونشاهدها باستمرار، مثلًا لو أن كارثة كبرى حدثت مثل اندلاع حريق هائل في إحدى الدول أو حدوث جريمة قتل صورتها كاميرات المراقبة ثم تم نشرها، أو تسريب بعض المقاطع لعمليات تعذيب في أي بقعة من العالم، ثم يتراكض الناس لمشاهدة ما حدث في مواقع التواصل الاجتماعي، أو من المواقع الإخبارية مما يعيش الإنسان تفاصيل ذلك الحدث وكأنه رآه مباشرة، مما يثير الذعر والرعب للنفوس، ويثير الحزن لأصحاب القلوب المرهفة، وربما يصاب الإنسان بالاكتئاب ويشعر بسوداوية الحياة وخاصة إذا كان يعاني من مشاكل في حياته، وربما يصاب المشاهدين بالوساوس أنه ربما يحدث لهم مثلما حدث لأولئك البشر من حوادث مما يعرضهم للقلق والتوتر أكثر، وأعتقد أن هذا من الغباء الذي يقع فيه الناس فما دام أن الله تعالى حفظنا وأبعدنا عن مثل تلك الحوادث، فإنه من الغباء البحث عن تلك المقاطع أو الصور ومشاهدتها، ثم أخذ جرعة كبيرة من الخوف، والحزن، والتوتر، سوف يضر بصحتنا كلما تكرر على المدى البعيد، إن لم نتدارك الأمر ونكف عن الفضول بمشاهدة كل شيء.
لأن الإنسان يكفيه ما يمر عليه من مواقف في حياته، مما يأخذ جرعته من التوتر والقلق والمشاعر المختلفة كل يوم، وحتى لو أصبح الإنسان ذكيًا وواعيًا ولم يعد يبحث عن تلك المقاطع المروعة التي ذكرتها سابقًا، وأصبح يتجنب مشاهدتها حتى لو تعثَّر بها في مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنه ما أن يفتح هذه المواقع حتى يأخذ جرعة مضاعفة من كل شيء مهما حاول تجنب ذلك، ليس المشاعر السلبية وحسب وإنما حتى المشاعر الإيجابية، فهو يتفاعل مع الأحداث كلها، سواء سلبية أم إيجابية، وحتى فيما يتعلق بالحزن والسعادة، فإنه يأخذ جرعة كبيرة منهما كل يوم بل كل دقيقة يفتح فيها مواقع التواصل الافتراضية، فهو يحزن لأي موقف محزن يقرأه أو يشاهده، كوفاة شخص عزيز لأحد يتابعه، أو إجراء عملية، أو حادث مروع، أو حروب ودمار في دول أخرى، ويفرح كذلك للأحداث المفرحة، كتخرج أحدهم، أو ولادة طفل، أو حتى زواج، أو نجاح مشروع، أو حتى فرحته بمشهد رائع، أو منظر طبيعي، أو حتى صبية يلعبون، ويمرحون، مشاهد كثيرة سواء محزنة أم مفرحة، تجعل مشاعرنا في صعود وهبوط كل دقيقة، وكل ثانية نفتح فيها مواقع التواصل الافتراضية، أخذ جرعة كبيرة من هذه المشاعر المختلفة باستمرار يضر بالصحة أيضًا، وسوف يظهر ذلك الضرر أكثر كلما مكثنا ساعات أطول أمام الأجهزة والشاشات الذكية، فالعاقل من يبتعد عن هذه المواقع ويجعل له وقتًا محددًا للتصفح والمشاهدة وحتى المشاركة مثلما كان يفعل سابقًا عندما كان يشاهد التلفاز، فكما أنه ليس من المعقول أن يظل طوال اليوم يستمع للأخبار، ويشاهد الأفلام والمسلسلات، فليس من المعقول أيضًا أن لا يحدد لنفسه وقتًا لتصفح مواقع وبرامج التواصل الاجتماعي، وخاصة أولئك الذين يشتركون في مجموعات كبيرة في الواتساب، ويقضون ساعات طويلة لتصفح تلك الرسائل المنهمرة طوال الليل والنهار، أو حتى تصفح أي مواقع أخرى كالصحف الالكترونية، ومشاهدة مقاطع اليوتيوب وغيرها من أدوات نشر حديثة، فالأجهزة الذكية ترافق الإنسان في كل مكان، وترك الأمر بلا تنظيم يؤدي بالإنسان لإدمان هذه البرامج مما يؤثر على صحته وسلوكه إذا ظل يفتح هذه الأجهزة صباحًا ومساءً دون تقنين، وسوف تظهر أثارها المدمرة بعد زمن أو ربما بعد حين، بحسب قدرة الشخص وقوة احتماله.
حتى التجار الذين يعتمدون على هذه البرامج والمواقع الالكترونية لتسويق بضاعتهم، والتواصل مع العملاء، يحتاج عملهم إلى تنظيم، وخاصة أنهم يستطيعون العمل في كل مكان، حتى في البيت، فما فائدة أن تتضخم أرصدتهم في البنوك حينما يفقدون صحتهم!
وحتى الكُّتاب والصحفيين والإعلاميين الذين تُحتم عليهم مهنتهم متابعة الأحداث والمستجدات ونقلها للآخرين وتحليلها أو الكتابة عنها باستمرار، فقد أصبحت حياتهم ومشاعرهم مستهلكة جدا، لأنهم مضطرون لمجاراة كم هائل من الأحداث كل يوم، بل كل ساعة وكل دقيقة، وإلا فإن ما سينقلونه سيعتبر خبرًا بائتًا حتى لو تأخروا عن نقله ساعات قليلة، أو ربما حتى ساعة واحدة!
حتى أنا وأنت سوف نتأثر بما ننقله من أخبار وحوادث، إذا ظللنا مُصرِّين على نقل كل حدث يحدث، أو المشاركة فيه، أو إبداء رأينا فيه، فإذا كانت الأخبار التي ننشرها مفرحة سنأخذ جرعة زائدة من السعادة، كلما قرأها أحد وسعد بها، وإذا كانت أخبارٌ حزينة سنأخذ جرعتنا الزائدة من الحزن أيضا، كلما حزن الآخرون لما ننشره وننقله، لذلك احذر فهذه الأجهزة سلاح ذو حدِّين، وكلا الحدِّين قاطعٌ جدًا، حتى لو استخدمناها في أشياء مسلية ومفيدة.
ليس هذا وحسب، إنما يمتد ضرر هذه المواقع لأبعد من ذلك إذا وقع الشخص في فخّ المقارنات، فهو ما أن يفتح هذه المواقع حتى يرى آلاف المحامين الناجحين، وآلاف الكُّتاب والصحفيين، وآلاف الأطباء والمهندسين، وآلاف السياسيين والاقتصاديين إلخ..، فإذا كان ينتمي لأحد تلك الفئات وكان راضيًا وسعيدًا بإنجازاته وهو يرى نفسه أنه نادرٌ في محيطه الضيق، وأنه ناجح، ومتفوق على أقرانه، فإن وجود أولئك البشر في مواقع التواصل الاجتماعي وبأعداد هائلة جدا، وكثير منهم يُظهرون إنجازاتهم، ويُخفون إخفاقاتهم، فإنه ربما يبخس نفسه، ويبخس إنجازاته إذا ما قارنها بإنجازات الآخرين الذين يعملون في نفس مجاله، أو ربما يرى الآخرون يكسبون أكثر مما يكسب هو بالرغم أنهما يعملان في نفس المجال، إلا أنهم استطاعوا بشهرتهم في هذه المواقع من كسب الزبائن والتوسع في مجالاتهم، بل إنَّ حتى بائع في محل صغير يرى نفسه محظوظ لأنه يعمل في تلك المهنة بينما غيره لا يجد عملًا يسد به قوت يومه، لكن ما أن يدخل لهذه المواقع حتى يرى الناجحين والمتفوقين في شتى المجالات فيسأل نفسه أين أنا من هؤلاء؟!
فيُصاب المرء بالإحباط وعدم الرضى، فيبدأ بالتذمر، والسخط على كل شيء، وخاصة حينما لا يستطيع أن يوفر لنفسه الرفاهية التي يوفرها الآخرون لأنفسهم ولعائلاتهم، والرفاهية التي أقصدها ليس المسكن والملبس وحسب، وإنما أشياء أخرى كثيرة، كالسفر للنزهة أو تعليم الأبناء في المدارس الخاصة الباهظة الثمن، وإن كان التعليم مهم جدا ولكن يجب على الإنسان أن لا يُحمل نفسه فوق قدراته المالية، حتى لا يدخل في دائرة السخط وعدم الرضا لأن دخله المرتفع لم يعد يكفيه لمجاراة ارتفاع الأسعار والعيش برفاهية، وبعضهم بدأ يمقت شهاداته وخبراته لأن غيره استطاع أن يكسب أكثر مما يكسبه وهو بلا شهادات ولا خبرة، أو لأنه لم يستطع الحصول على عمل يرضي طموحه، غير مدركًا للنعم العظيمة التي منَّها الله تعالى عليه، ونسى أن الله تعالى هو الرزاق، بعضهم يرزقهم الله تعالى العلم والحكمة والبعض الآخر يرزقه المال، وآخرون يرزقهم الجمال أو الصحة، وبعضهم يتقدم رزقه الوفير في بداية حياته، وبعضهم يتأخر فيرزقه الله رزقًا كثيرا في أواخر حياته، أرزاق الله كثيرة ومتنوعة ومن يفهم ذلك فلن يسخط في حياته أبدًا، وقد أصبح كسب المال هو الهدف الأول للكثير من البشر، وبعضهم يسعى لذلك دون أن يتحرى الحلال من الحرام، فيُتاجر بأي شيء أو يرفع أسعار بضائعه أو خدماته، المهم أن يكون الربح في آخر الشهر يشفي نهمهم لجمع المال للتمتع به أو لشراء العقارات وتحقيق الحلم بالثراء، ومن الجميل هذا الوعي بأهمية المال حتى يسعى الإنسان للعيش حياة كريمة وهانئة، ولكن ليس لدرجة أن ندخل في دائرة الجشع والطمع، فيُخدّر البعض ضميره بأنه صاحب خبرة أو أنه تعب حتى كوَّن مشروعه، وأنه يستحق ذلك المبلغ الخيالي الذي يكسبه كل شهر، ونسى أن ما وصل إليه هو بفضلٍ من الله تعالى، فهناك من يجتهد ولا يصل، وهناك من يخطط ولا يحقق شيئًا، وهناك من يبذل قصارى جهده ثم يفشل، لأن التوفيق بيد الله تعالى، وهو القادر على أن يسلبه إياه في لحظة، فكم من علماء أصيبوا بالزهايمر، وكم من عباقرة أصبحوا مشلولين لا يقوون على الحركة، وكم من أثرياء كانوا يشتهون قضمة طعام ولا يستطيعون بسبب المرض؟! ولكن الله تعالى يختبر البشر، والسعيد من ينجح في الاختبار، فيتحرى الحلال من الحرام في مكسبه ومأكله وملبسه، وكل أمور حياته.
غير المقارنات التي يعقدها الفقراء بين حياتهم وحياة الأغنياء، فمن العادات السيئة جدًا أن يصوِّر الإنسان كل شيء في حياته وينشره حتى طبق طعامه دون مراعاة للفقراء الذين لا يستطيعون تناول مثل ذلك الطعام، وحتى لو كان أولئك الفقراء قانعين بحياتهم فإنه حتمًا مع استمرارهم بمشاهدة الإعلانات التي تعرض البضائع وتدخلها لبيتك رغمًا عنك، ومشاهدة حسابات المشاهير والأغنياء الذين يتوفر لهم كل شيء سيدخلهم في دوامة عدم الرضا، وربما السخط من حياتهم، بل إنَّ حتى الأغنياء ربما يعقدون المقارنات بينهم وبين الأثرياء، مما يظن الغني أنه فقير لأنه لا يستطيع السفر أكثر من مرة في السنة، ولأنه لا يستطيع أن يُقيم في المنتجعات الفارهة، أو لأنه لا يستطيع أن يمتلك طائرته الخاصة، فيبخس قيمة الأشياء التي يملكها، فلا يستشعر نِعم الله تعالى عليه، وربما أكثر من يتأثر بذلك هم المراهقون والشباب في مقتبل العمر، فيرون أنهم ينتمون لعائلات فقيرة لمجرد أنهم لا يستطيعون السفر، أو تناول الطعام في المطاعم الفاخرة، أو لا يستطيعون تجديد أثاث غرفتهم، أو لا يعيشون في بيت فخم وأنيق مثل بيوت الذين يتابعونهم في برامج السوشيال ميديا، مما يُعرِّضهم للاكتئاب، أو التمرد على أهلهم، أو زيادة طلباتهم وإلحاحهم على الحصول عليها، مما يسبب حملًا ثقيلًا على ربّ الأسرة، وربما يدخل في خط الفقر فعلًا بسبب الإسراف والتبذير لمجاراة حياة الآخرين!
علمًا أن كل هذه الأشياء قبل برامج السوشيال ميديا كانت تعتبر من الرفاهيات الكبرى التي لا يستطيع عليها سوى الأغنياء، وكان الفقراء أو أصحاب الطبقة المتوسطة قانعين بحياتهم، بل وسعيدين جدًا لا يشعرون أن شيئًا ينقصهم، ما داموا قادرين على سدَّ جوعهم، ولبس ما يستر عوراتهم، غير مدركين ماذا يأكل الآخرين أو ماذا يلبسون، ولكن اليوم للأسف أصبحت تلك الأشياء وكأنها من الضروريات التي لا يمكن العيش بدونها! مما جعل العالم يتحول للماديات بشراهة، وابتعد عن الروحانيات، مما يسبب عدم التوازن للنفس البشرية، فيقع في فخ الأمراض الجسدية والنفسية إن لم يتدارك الأمر ويعود العالم لرشده، لذلك وضع هذه البرامج والمنصَّات الالكترونية في وضعها الصحيح بدون أن تؤثر على حياتنا هو الحل، وكذلك رؤية الأشياء بمنظار العقل، والمنطق، فمعظم الناس - كما ذكرت سابقا - يظهرون جانبهم المشرق في حياتهم، ويخفون المظلم، فلا نبخس نِعم الله تعالى علينا، ولنسعى في كل مرة أن نطور من حياتنا بحسب قدراتنا، دون أن نعقد المقارنات بيننا وبين الآخرين، ولا ننسى أن الإنسان قدرات وهمم يغرسها الله تعالى فيه، فهناك من يستطيع العمل لساعات طويلة دون أن يفقد طاقته وتركيزه، وهناك من يتعب بسرعة، فلا نكلف أنفسنا فوق طاقاتها لأننا نريد أن نصل لما وصل إليه الآخرين، وأن نقنع بما قدَّره الله تعالى لنا.
ويصبح ضرر هذه المواقع أكبر إذا كان الشخص يعاني من عدم تقدير الذات، مما يربط سعادته بمدى تفاعل الآخرين مع تغريداته، أو منشوراته، أو ربما يتعرض الشخص للتنمر بسبب ما ينشره مما يسقطه في هوَّة الحزن والتوتر والقلق، والبعض أصيب بداء العظمة بسبب عدد المتابعين له الذي يتضاعف كل يوم دون أن يكون لديه إنجازات حقيقية، كما أن اتخاذ البعض لأسماء مستعارة في هذه المواقع مثل: مبعثر، أسير الأحزان، المظلوم وغيرها من الأسماء السيئة سوف تلتصق بهم وبشخصياتهم دون وعي منهم، مما يسبب لهم المعاناة في حياتهم، وتُخلِّف هذه البرامج آثارٌ أكثر تدميرًا إذا وقع الإنسان في إدمانها، وجعلته ينعزل عن عالمه الحقيقي، مندمجًا في عالمٍ وهمي افتراضي، وربما إدمان هذه المواقع يجعل الشخص يفتقد بعض الأشخاص إذا ابتعدوا عن هذه المواقع، مما يعاني من ألم الفقد، لبشر غرباء لا يمتُّون له بصلة، سوى أنه تعوَّد على متابعة منشوراتهم، وأعجب بشخصياتهم، والبعض منهم مستعد لأن يرتكب جريمة إذا انتقد أحدهم أحد الأشخاص الذين اشتهروا في هذه المواقع وأعجب بهم وأحبهم، لذلك كما قلت تقنين استخدام هذه الوسائل هو الحل للعيش بعيدًا عن هذا الضجيج الذي يصم الآذان، في كل ساعة وكل ثانية، حتى لو كان الإنسان منعزلًا في غرفته.
والفخ الأكبر إذا وقع الإنسان في الذنوب والخطايا بسبب هذه المواقع، كأن يدخل في محادثات مُحرَّمة مع الآخرين، أو يستخدمها للنصب والاحتيال، أو للكذب والافتراء أو سبّ الناس وقذفهم واتهامهم، أو التشهير بهم، أو صدَّهم عن دينهم الحق، وبعضهم تعرَّض للمساءلة القانونية والسجن بسبب ذلك، وربما غفل هؤلاء عن قول الله تعالى: (ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد (18)) سورة ق، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (وهل يُكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم) رواه الترمذي، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) متفق عليه، وفي رواية أخرى: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا) رواه الإمام أحمد والترمذي
فالكلمة خطيرة جدًا ويجب على الإنسان أن يتريَّث فبل أن يطلقها، فكم من كلمة أشعلت حربًا، أو أحرقت قلبًا، أو فرَّقت أسرًا.
أو ربما يستخدم الإنسان هذه المواقع لمشاهدة ونشر ما حرمه الله تعالى، غير مكترثًا أن ما ينشره سوف يبقى يكسب منه الذنوب حتى بعد وفاته، فالبعض يؤمنون أن عدَّاد الحسنات يظل مفتوحًا حتى بعد وفاة الإنسان، كالصدقة الجارية، أو نشر العلم النافع، أو أي عمل صالح يظل أجره حتى بعد الوفاة، لكنه لا يؤمن أن عداد السيئات يظل مفتوحًا أيضًا حتى بعد الوفاة، فينشر صورًا غير محتشمة، أو مقاطع موسيقية، أو ما يدعو للرذيلةِ والفساد، وغالبًا يتخفون تحت أسماء مستعارة، وكأن ذلك سوف يشفع لهم عند الله تعالى الذي يعلم السِّر وأخفى، وسوف يندمون هؤلاء الذين ينشرون الفواحش، ويستلذون بالنظر إلى عورات الناس حتى لو كان برضاهم وعبر الشاشات، وتناسوا قول الله تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا(36)) (الإسراء)
والمرهق أكثر حينما يتحتم على الإنسان المكوث لساعات طويلة أمام أجهزة الحاسوب لأن عمله يتطلب ذلك ثم في وقت استراحته يتصفح هاتفه، مما يصاب بالإرهاق أكثر، وخاصة إذا كان الشخص يستخدم هذه الأجهزة أيضا للتسوق أو لدفع الفواتير، ولأشياء أخرى كثيرة، كحجوزات السفر أو التحويلات البنكية وغيرها، لذلك ينبغي علينا أن نتعامل مع أجهزتنا الذكية بذكاء، حتى لا تقتحم حياتنا في كل وقت - صباحا وظهرا وعصرا وليلا وفجرا- لذلك يجب علينا أن نحدد وقتًا للتصفح، فإذا واجهتنا صعوبة في ذلك فيمكننا أن نحدد وقتًا لعدم التصفح، وليكن مثلًا من الساعة التاسعة أو العاشرة مساءً حتى الساعة التاسعة أو العاشرة صباحًا، ويمكننا أن نحدد وقتًا آخر لعدم التصفح أيضًا أثناء النهار، من الساعة الثانية إلى الساعة السابعة مساءً مثلًا، حتى لو كان تصفحًا لبضع دقائق يشتت الذهن، بحيث نستفيد من تلك الساعات المهدرة في أشياء مفيدة، لأن التصفح غالبًا يأخذ من وقت راحتنا أو من وقت الرياضة أو العبادة أو من وقت ممارسة هواياتنا، وخاصة حينما يكون يومنا مزدحمًا بالأعمال المهمة، وبذلك نحصر تصفحنا في الوقت المحدد للتصفح على أشياء مهمة ومفيدة وبطريقة مقننة لا نهدر فيها معظم أوقاتنا ولا تسقطنا في فخ الإدمان، وبالـتاكيد أن الساعات المتبقية للتصفح لا نهدرها كلها إنما فكرتها أن نسمح لأنفسنا بفتح أجهزتنا فيها في ذلك الوقت وعلى فترات متقطعة، ويمكننا أيضًا أن نحذف بعض برامج التواصل الاجتماعي المكتظة بها هواتفنا، ونكتفي باثنين أو ثلاثة لا يمكن الاستغناء عنها حتى لا تستهلك الكثير من وقتنا، وحتى لا تُلهنا عن عباداتنا وعن أعمالنا وأهلنا، وبذلك سوف نقلل من الآثار السلبية لهذه الأجهزة كالصداع وآلام الرقبة، وتشتت الذهن والقلق بسبب الأخبار والمعلومات المتدفقة باستمرار فيها، كما سنقلل من العزلة التي تحجب قدرتنا على التواصل مع الآخرين والاستمتاع بالحياة فتظهر آثارها المدمرة لاحقًا، بالتأكيد هذا مجرد مثال لتحديد الوقت وما يناسبني ربما لا يناسبك، وما يناسبني اليوم ربما لا يناسبني غدًا، لذلك حدد وقتك المناسب لعدم التصفح بحيث تمتد لساعات طويلة ومن يحتاج لك سوف يتصل بك، حتى تتخلص من الإدمان وتهنأ بحياة هادئة ومريحة أساسها السيطرة والتحكم بنفسك، فالحياة بلا نظام مرهقة جدًا.
عزة محمد الكمياني's Blog
- عزة محمد الكمياني's profile
- 4 followers

