الصور المفلترة

 

لا أعلم لما البعض مغرمٌ باستخدام الفلتر للتصوير، بالرغم أنني لم أحبه ولا أستخدمه، لأنه يعطينا صورة غير حقيقية سواءٌ للوجوه أو الأماكن، لا أعلم لما كثير من البشر يتجهون للزيف والخداع ويحبونه، حتى لو كان خداع لأنفسهم.

أذكر أنني استخدمت الفلتر للتصوير مرتين، ربما في 2018م، في إحداهما قالت لي ابنتي:

-        أمي ما رأيك نأخذ سيلفي؟

-        ما أحب السيلفي.

-        مرة واحدة أمي.. للذكرى.

اقتربتُ منها والتقطتْ الصورة بالفلتر، حينما شاهدت الصورة قلت: (اللهم صلِّ ع النبي، دا أحلى سيلفي أتصوره لحد دلوقتِ)

الأنف تبدو أكثر استقامة، والعينين أكثر اتساعًا، والبشرة صافية تمامًا، وكنت أبدو أصغر سنًا، في العشرين أو ربما الثامنة عشر، ابتسمت حينما رأيتها، وقلت: من يصدق أنني الأم وهي ابنتي؟!

بالرغم أنني احتفظت بالصورة إلا أنني لم أصور بالفلتر مرة أخرى، لأنني أعلم جيدًا أن التي في الصورة لست أنا، وإنما أخرى تشبهنني!

فالصور ذات  قيمة كبيرة بالنسبة لي، أحب أن أحتفظ بصوري، وأفرح حينما أقع في غرامها بعد سنوات حينما أعود إليها، حتى تلك الصور التي لم تكن تعجبني، فجأة تصبح جميلة في نظري، لأنني أبدو فيها أصغر سنًا، وترجعني لسنواتٍ طويلة مضت بحلوها ومرها، وكذلك صور أبنائي وأحبتي، فقد حرصت أن أحتفظ بصور أبنائي في كل مراحلهم العمرية، لأنني لا أريد أن تفلت تلك الذكريات من ذاكرتي، لا أريد أن أنسى ملامحهم الطفولية، ومراحل نموهم، أريد أن أحبس الزمن في صورة قبل أن ينفلت منا، فلا نحس به إلا وقد تسلل خلسة من بين أيدينا، ولكنني أريد أن أحتفظ بصور حقيقية وليست مزيفة لا تمت للواقع بشيء، كيف سيكون شعورنا حينما نعود إليها ونحن نعلم أنها لم تكن أشكالنا الحقيقية، إنما أشكالًا نحتها الفلتر لنا لترضي غرورنا، ورَكْضِنا وراء الجمال، هل سنخدع أنفسنا حينما نحاول أن نجعلها تصدق أن تلك الصور هي نحن فعلًا، وليست وجوهًا لا تمت لنا بصلة، إنما ملامحها تقترب من ملامحنا!

وقد بدأت أفهم في السنوات الأخيرة لما كنا نذهب للتصوير في بعض الأستوديوهات ونفضلها عن غيرها، لأنها كانت تزودنا بصورٍ ترضينا في كل مرة، حيث تظهرنا كأحد نجوم السينما التي تغطي صورهم الصفحات الأولى للمجلات، لم أكن أستوعب لما يحدث ذلك، ولما بعض الأستوديوهات تُحمض الصور بطريقة مذهلة، وبعضها صورها باهتة وغير جميلة، ولكن أصبحت اليوم أفهم جيدا أنها كانت تقدم لنا صورًا مفلترة، إلى الحد الذي يخفي كل عيوب وجوهنا ويظهر جمالها، وأصبحت اليوم أحب صوري العادية التي أحتفظ بها في الألبوم أو على الهاتف أو في جهاز (اللابتوب) أكثر من تلك الصور المفلترة التي التقطناها في الأستوديوهات المشهورة، التي كانت تذهلنا سابقًا، ونصدق أنها نحن فعلا، وهي في الحقيقة ليست نحن إنما هي تشبهننا!

وبالتأكيد أنني لا أقصد التعديل البسيط للصور، كقص الصورة، أو زيادة الإضاءة، أو تغميق اللون أو تفتيحه، أو حتى فلترة خفيفة للصورة دون أن تغير من ملامحنا شيئا، فأحيانًا موقع التصوير يعطي صورًا غير واضحة، أو غير جذابة حتى يتم تعديلها قليلًا، وإنما أقصد ذلك التعديل الذي يتكفل به الفلتر، فيعطينا وجوهًا مصقولة، خالية من كل عيب، وأنف مستقيمة أو أصغر حجمًا، ووجه أصغر سنًا، وعينان أكثر اتساعًا وجمالًا، وأسنانًا بابتسامة هوليودية، بحيث تصبح الصورة مجرد شبيهة لنا وليست حقيقية، مما يؤدي إلى تغيير خلق الله وإن كان في صورة، وقد علمت أن البعض سعى فعلًا لإجراء عمليات تجميل لكي يصبح شكله - أو شكلها - مثل صوره المفلترة!

والشيطان له فنون في إغواء البشر وجعلهم يحيدون عن جادة الصواب، قال تعالى: (لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118) وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا (119)) سورة النساء

وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا لأنهم بحسب اعتقادهم هو شأن خاص بهم لا يضرون به أحدًا، وهم في الحقيقة يضرون أنفسهم حينما لا يستطيعون تقبلها مثلما خلقهم الله تعالى، يضرون أنفسهم حينما يسعون كل يوم لتغيير خلقة ربهم، فيضيعون عمرهم وأموالهم وربما صحتهم في الركض وراء سراب، ولنا في الذين شوهوا أجسادهم عبرة، بعد عمليات التجميل الكثيرة التي أجروها لأجسادهم، وبعضهم لقى حتفه أثناء إجراء العملية أو بعدها، والقصص كثيرة، ومعظمنا سمع عنها، لمشاهير أو أثرياء، أو لبشر عاديون سعوا بكل طاقاتهم حتى يبلغوا ذروة الجمال الجسدي، وتناسوا أن أهم الجمال جمال الروح.

وهم يضرون غيرهم أيضًا بتصرفاتهم تلك، حيث أصبح الجمال مشوهًا في نظرهم وهم لا يرون إلا صورًا مفلترة في السوشيال ميديا، فإذا رجعوا لعالمهم رأوا وجوههم ووجوه أحبتهم أقلَّ جمالًا مما رأوه قبل قليل وطوال اليوم في شاشاتهم، حتى أصبحت أجمل الجميلات ذات الجمال الطبيعي بلا مساحيق ولا فلترة امرأة عادية في نظرهم، فقد أصبح الجمال المفلتر هو الجمال الذي يحتكم إليه البعض، وإذا رأوا أحدًا من المشاهير صوَّر صورًا عادية بلا فلتر هجموا عليه بالتعليقات: لما لم تستخدم الفلتر؟! فقد أصبحوا لا يستطيعون رؤية تغضنات بشرة هؤلاء المشاهير، أو اسمرارهم أو الهالات السوداء تحت عيونهم، هم يريدون بشرًا بحسب مقاييس الفلتر، بشرتهم صافية تمامًا من كل عيب!

وأبتسم ابتسامة عريضة حينما ترسل لي ابنتي صورها المفلترة المذهلة، وبالتأكيد أنها تعجبني صورها كلها، العادية والمفلترة لأنها ابنتي، ولكن أظل أبتسم وأنا أرى كيف تغيرت صورتها وأصبحت كأنها إحدى نجمات السينما، او كإحدى أميرات ألف ليلة وليلة، وأتمعن فيها جيدا، الشكل ابنتي، ولكن أعلم أنها ليست هي تماما، هناك شيء عجيب تعمله هذه الفلترات، إنها تغير الشكل بطريقة مذهلة! فمواليد الألفية الجديدة سحرتهم هذه التقنيات الحديثة مثلما سحرت الأجيال التي قبلهم، ولكن بعضهم من استخدمها في حالات نادرة للضحك والتسلية، والبعض الآخر انجر خلفها لأبعد الحدود فلم يعد يصور إلا بالفلتر!

وأضحك في أعماقي كثيرًا حينما أرى إحدى النساء التي كانت تبدو صورتها في الأربعينات قبل عشر سنوات، واليوم تنشر صورها وكأنها صغرت وأصبحت في العشرينات، وأضحك أكثر حينما أرى بعض الناس يصغرون في السوشيال ميديا، وفي الواقع هم يكبرون ولكن يحبون تخدير أنفسهم بصورٍ، لامعة، وجميلة، تظهرهم أصغر سناً، وأكثر جاذبية!

وبعض النساء لم يكتفين بإخفاء وجوههن تحت طبقات الماكياج، ونحن نعلم جيدًا كيف يخفي المكياج ملامح الوجه الحقيقية فيُصغر الأنف، ويُكبر العيون، ويُخفي العيوب، فهن لم يكتفين بكل ذلك، إنما سعين أيضًا إلى تغيير وجوههن أيضًا باستخدام الفلتر!

وإنني أجهل سبب مثابرة بعض النساء في الإفراط في التزين في كل وقت وفي كل حين، وكأنهن لا يرغبن برؤية وجوههن على حقيقتها حتى لو كان الله وهبهن جمالًا أخاذًا، فهن يسعين لزيادة هذا الجمال حتى يصبحن ملكات جمال بل يفوقهن في الجمال، فالله تعالى خلق الحياة سهلة بسيطة، والإنسان هو من يُصعبها، فهل يعقل أن أجهد نفسي لهذه الدرجة لكي أبدو جميلة طوال الوقت؟! هذا الماكياج المرهق في وضعه ثم إزالته في المناسبات، فكيف باللاتي يضعنه كل يوم في وجوههن، كم من الجهد يبذلن، وكم من الوقت يضيعن، من أجل أن يُقال أنها جميلة ومذهلة، وهي كلمات تسعد كل امرأة، ولكن ما الفائدة أن تسمعها من غير أهلها أو صديقاتها، ما الفائدة حينما تسمعها من الغرباء وهي تنشر صورها متبرجة فتغضب خالقها؟!

وبعضهن يضعن مساحيق التجميل لمجاراة الموضة ولإسعاد أنفسهن وحسب، فلم يسمى الميك أب بهذا الاسم إلا لأنه يمنح المرأة ثقة أكبر بنفسها، حتى أصبحن لا يستغنين عنه أبدا، ومن نزع هذه الثقة من أنفسهن بحيث لم يعدن يتقلبنها على حقيقتها إلا المجتمع الذي حصر المرأة في جمال الشكل، والمظهر، متناسيًا جمال الروح والأخلاق.

وأعلم كم صعبًا أن تعتاد المرأة على إخراج خصلات من شعرها، أو التزين بالماكياج، أو حتى التفنن في تفصيل العبايات وملاحقة آخر صيحات الموضة في الملابس والكماليات، ثم فجأة تقرر أن تترك كل ذلك، إنها مرحلة صعبة جدًا في البداية، لكن ستؤتي أكلها لاحقًا، لأن تهذيب النفس يأتي على مراحل وربما يحتاج إلى سنوات، ولكن بالقناعة أن هذا هو الصواب سوف يُهوِّن ذلك على النفس حتى تعتاد عليه، ويصبح شيئًا عاديًا في الحياة، ومجرد المحاولة ومجاهدة النفس هو شرفٌ عظيم.

وبالتأكيد أن لهرمونات الأنوثة دورٌ كبير في رغبة المرأة للتزين، ولكن لهوى النفس الدور الأكبر في الإسراف فيه، فكما أن هناك نساء أهملن هذا الجانب تمامًا، هناك نساء أخريات أسرفن فيه كثيرًا، والله لا يحب المسرفين، وإذا فهم المسلم جيدًا معنى الوسطية في الإسلام، فإن ذلك كفيل بأن يضبط كل نواحي حياته، بعيدًا عن الإسراف أو التقطير.

والبعض منهن أبين إلا أن يمسخن صورهن، فإذا كان كثير منهن استطعن أن يبرزن جمالهن بواسطة استخدام هذه التقنيات فعلا، فإن هناك أخريات لم يوفقن في ذلك إنما ظهرن كأنهن مسوخٌ بشرية، عدسات ملونة + ماكياج + فلتر، حتى أصبح الشكل لا يمت للواقع بصلة، فكيف ينظرن هؤلاء النسوة لأنفسهن في المرآة حينما يخلعن زينتهن، هل هن راضيات عن أشكالهن، وإن كن راضيات ويحببن أشكالهن لما يسعين لتزييفه بهذه الطريقة المزعجة للنظر، ولما يعتقدن أن الآخرين لن يتقبلوهن بأشكالهن الحقيقية؟! ولكن عندما نعلم طرق إغواء الشيطان الكثيرة، وكيفية استدراج الإنسان للوقوع في الخطيئة فإننا نفهم أين تكمن المشكلة، وهو لا يمل حتى يصل الأمر إلى التحول لمسخٍ بشري لا هو ينتمي لفصيلة الحيوانات، ولا إلى فصيلة الإنسان، والله خلقهن فأحسن خلقهن، ولكن الشيطان زيَّن أعمالهن، وأبين إلا أن يمسخن صورهن، فإذا كان هذا هو مفهوم الجمال لديهن فهو مفهومٌ خاطيء، وتأبى النفس البشرية السوية أن تنظر إليه على أنه جمالٌ، بل هو القبح بعينه، ولكن لن يرى ذلك من أعمى الله بصيرته.

وبأفعالهن السيئة ضيعن الجمال الطبيعي، فلم يعد يلفت نظرنا كلما صادفناه في طريقنا، بعدما غزت أبصارنا تلك الوجوه المصقولة، فأينما يممت وجهك في مواقع السوشيال ميديا تجدها، وليس الأمر يقتصر على النساء وحسب، وإنما حتى بعض الرجال خُدعوا بتلك التقنيات فأصبحوا يتفننوا في صقل وجوههم وتلميعها قبل نشر صورهم، حتى اختلط الجمال بالقبح، والحقيقة بالزيف، فلم تعد تميز بينها، إلا ببصيرتك، إذا كان الله تعالى وهبك بصيرة لترى بها.

وبعض جهات العمل تطلب من المرأة التبرج، ويكون شرطًا أساسيًا لقبول العمل، ولكن أقول لهؤلاء النسوة أن الرجوع إلى تعاليم الدين، والانصياع لأوامر الله تعالى هو فرضٌ على كل مسلم ومسلمة، ويمكن للمرأة المسلمة أن تكون أنيقة دون أن تتبرج وتبرز مفاتنها، واتباع الوسطية سر كل سعادة أبدية، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) سورة الطلاق

فكم من ممثلة أو مطربة كانت متربعة على قمة المجد اعتزلت التمثيل أو الغناء للانصياع لأوامر ربها، ربما يظن البعض أن هؤلاء المعتزلات قد اكتفين من النجاح والشهرة، فأردن أن يختمن حياتهن بالطاعة، ولكن الحقيقة أن الإنسان لا يشبع من المجد والشهرة، ولا يمكن أن يتراجع عنهما إلا أذا سقط مجبرًا، أو لجم جماح نفسه عن اتباع الهوى، وهو ليس سهلًا البتة، ولكن هذا ما فعلنه أولئك الممثلات والمطربات اللاتي اعتزلن من أجل إرضاء الله تعالى، وكما قلت أن طريق تهذيب النفس طويلٌ وشائك، ولكن أحيانًا لا بد من اتخاذ خطوة واسعة للتخلص من الذنوب والخطايا وبترها بالقوة حتى نجتاز المرحلة بسرعة، وأحيانا يمكننا اتخاذ خطوات قصيرة ومتتالية حتى نجتاز المرحلة بنجاح، والموقع الذي نحن فيه هو من يحدد أي الخطوات يجب أن نسلكها بالضبط.

وبالتأكيد لابد أنه سيأتي يومًا ما سوف نشيخ فيه، وتبهت ألواننا، وتذبل ملامحنا، ساعتئذ ليس أمامنا إلا ان نتقبل أنفسنا، أن نحبها بأيّ شكلٍ كانت، ونحب أحبتنا أيضا، مهما شاخوا وتغضنت جباههم، لأن تزوير أشكالنا بالماكياج أو استخدام الفلاتر في الصور لن يُجدي نفعًا، عندما تواجهنا وجوهنا في المرآة ونحن نخلع كل ذلك، لذلك حُبُّوا أنفسكم، تقبلوها كما هي، ولا تخدعكم وسوسة الشيطان التي تدعو ابن آدم للركض بل اللهاث وراء الجمال، حتى يغير خلق الله، وأثناء ذلك ينسى أشياء أجمل، أودعها الله فيه، هي من ستبقى ولن تذبل ولا يُغيرها الزمن، جمال روحه وألقها.

 

                                                            عزة بنت محمد الكميانية

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on January 12, 2022 10:13
No comments have been added yet.


عزة محمد الكمياني's Blog

عزة محمد الكمياني
عزة محمد الكمياني isn't a Goodreads Author (yet), but they do have a blog, so here are some recent posts imported from their feed.
Follow عزة محمد الكمياني's blog with rss.