العجوز الشقراء التي لا تحبني-18 (عودٌ على بدء)
" مشكلتك وعيبك…تصدّق في العوازل…وتكذّب في حبيبك "…هكذا يصدح صوت (غادة رجب) الشجيّ من مسجل السيارة وأنا أقودها تحت وابل المطر المنهمر. كانت ليلةً عاصفة من ليالي نوفمبر، تشعّ فيها البروق وكأنها فلاشات سماوية، يليها أصوات الرعود المفزعة. كان صوت زخات المطر وهي تضرب سقف وزجاج السيارة وكأنه وقع عشراتٍ من الخيول التي تركض خلفي. كان الوقتُ متأخراً، وطرق (طرابلس) وشوارعها خالية تماماً، بينما كنتُ أنا ملفوفاً كالشرنقة في معطفي الصوفي الطويل، والشال الذي ألفّه حول عنقي، وأنا أقبض مقود السيارة بكل قوة، وأقودها بلا وجهةٍ أو هدف محددين. كانت الرياح قويةً تميل معها السيارة، فأبذل جهداً في السيطرة عليها لكيلا تنحرف، بينما كان مستوى الرؤية أمامي شبه معدوم بسبب غزارة الأمطار التي تصارع مساحات السيارة لتزيلها دون فائدة. أقودُ السيارة من منطقة (السياحية) غرب (طرابلس) عبر طريق (قرجي) حتى أصل نهاية شارع (النصر)، ثم أنحرف لأتجه لـ(الظهرة)، ومن هناك صوب طريق (الشط) لأبدأ رحلة العودة من حيث أتيت. لكن بمجرد أن أتجاوز جزيرة الدوران المقابلة لمدخل الميناء، وأصل للكورنيش المقابل لفندق (كورنثيا)؛ أرى الأمواج العاتية، وهي تضرب الصخور أسفل الكورنيش، ثم ترتفع كوحش مائي يقفز من البحر ثم يهبط ليغطي الطريق المزدوج. أتوقف بالسيارة قبلها بأمتار قليلة، ثم أترجّل واتجه للرصيف. أقف لأشاهد هذا المشهد المدويّ الرهيب غير مكترث بالمطر التي تغسلني ولا بشدة الرياح. شيءٌ ما في هذا المشهد كان يعبر عني، أو كأن صدى ما كان يشيج في داخلي يتجلّى أمامي. لقد كان ما يعتمل في داخلي مزيجاً من الغيظ والخوف والقلق، والرغبة العارمة التي تغلي بها كل خلية من خلايا جسمي…رغبة الإنعتاق النهائي. كنتُ أشعر بماردٍ ما في داخلي يغادر قمقمه، لكنني كنتُ في نفس الوقت أشعر بالضعف، والحيرة، وقلة الحيلة. كنتُ أقف مغسولاً بالمطر، متأملاً في هذا المشهد الرهيب وهو يتكررّ ويتكررّ أمام عينيّ، وفي لحظة ما أحسست بماء دافئ على وجهي…نعم لقد كنتُ أبكي.
أقوم بنزع معطفي المبتل، وأزيل الشال من حول عنقي، ثم أصعد على السياج الإسمنتي القصير للكورنيش، وفي لحظة تجمع كل الألم والخوف والقلق والغضب الذي يزأر في صدري….أصرخ، وتصرخ كل خلية في جسمي:"آآآآآآآآآآآآه"…..
يرتفع هزيمُ الرعد مدوّياً بقوة وكأنه امتدادٌ لصدى صرختي…
Published on December 01, 2013 10:28
No comments have been added yet.
عبدالدائم اكواص's Blog
- عبدالدائم اكواص's profile
- 10 followers
عبدالدائم اكواص isn't a Goodreads Author
(yet),
but they
do have a blog,
so here are some recent posts imported from
their feed.
