العجوز الشقراء التي لا تحبني- 16
أشعر بفضول شديد مشوب ببعض القلق، فعلى الرغم من أننا-إيلينا وأنا، وبعض الأصدقاء الآخرين أحياناً- قد كنا نلتقي من حين لآخر خلال عطلات الأسبوع، فلم يحدث أن تتصل بي (إيلينا) لتطلب لقائي في نفس اليوم، بل وبهذا الإلحاح. أقرر قطع الشك باليقين، فأتصل بها:
-هلو إيلينا، لقد وجدت عدة مكالمات منك. ما المشكلة يا عزيزتي؟
-أووو (خالد)، أين أنت؟. لم أكن أتصور أن اليوم سيمرّ دون أن أراك؟
-لقد بدأت أقلق عليك، ماذا هناك؟ وأين أنتِ الآن؟
- أنا الآن في بَبّ* صغير في (سوالو ستريت)…
-بَبّ؟..في هذا الوقت من اليوم؟...
- نعم..لا عليك..حدد لي مكانك لآتي إليك...
-أنا الآن أجلس على مقعد بالقرب من مركز (ساوث بانك). يمكنني أن أنتظرك في مقهى المركز...
-مركز (ساوث باك)؟، آآه عرفته. ما هي أقرب محطة له؟
-أعتقد محطة (إمبانكمنت)
-حسناً سأكون عندك خلال وقت قصير. أعتقد أن المركز به بَبّ أيضاً؟
-إيلينا؟؟؟!!!
-أوكي…أراك لاحقاً.
(إيلينا) دائماً هكذا؛ مندفعة لدرجة التهور، متمردة لا تحب من يفرض عليها قيوداً، متقلّبة المزاج، لديها قدرة للدفاع عن رأيها في ثقة حتى لو كان رأياً سخيفاً أو فكرة حمقاء. لكنها فتاة ذكية جداً، تعرف ما تريده، وتعرف كيف تصل إليه، وفي سبيل ذلك يمكنها أن تكون قاسية جداً على نفسها لدرجة تشعر معها وأن لديها شخصيتين، واحدة عابثة فوضوية، وأخرى منضبطة عسكرية !. لكنّ أهم ميزة تملكها هي قدرتها السحرية على تكوين علاقات وثيقة بالآخرين، وكسب قلوبهم في وقت قياسي. أتذكر أول لقاء لي بها في مركز (ماكميلان) للسرطان التابع لمستشفى لندن الجامعي. كنتُ أعمل زميلاً طبياً (Clinical fellow) آتخصص في أبحاث السرطان في المركز، عندما جاءت هي لتعمل في المركز، بعد أن تمّ تعيينها في وظيفة مساعد باحث طبي (Clinical research assistant). كانت قد تخرجت حديثاً من اليونان، ولأنها أوربية، فيمكنها-حسب قوانين الإتحاد الأوربي-التنقل والعمل في أي دولة أوربية. قدمها لي البروفيسور (جيمس فوستر) رئيس القسم، ومن يومها أصبحت-نظرياً-مسؤولاً عنها. كانت فتاة صارخة الجمال في منتصف العشرينات، بيضاء ممتلئة الجسم، بشعر كستنائي منكوش، وعينين خضراوين كبيرتين، لكن الغريب أنها لم تكن تضع مكياجاً، كما أن هيئتها وقيافتها لا تدل أنها أبدت أي اهتمام تجاههما. بمجرد أن غادر البروفيسور (فوستر)؛ فاجأتني (أيلينا) بسؤالي عن اسمي، وعن جنسيتي مع أنها رجحت أن أكون "شرقَ أوسطياً". لقد تسببت الطريقة التي تكلمت بها، والنبرة التي استخدمتها، في اختلاج بعض المشاعر المتناقضة في داخلي؛ فمن ناحية أحسست ببعض القلق لأنني سأكون مسؤولاً عن فتاة يبدو أنها غرّةٌ حمقاء، ومن ناحية أخرى أحسست بأن هذا الجمال الصارخ، مع بحّة الصوت الأنثوية قد أحدثا تصدعاً في قناع التحضر الذي ارتديه، وهيّجا الضبّ الصحراوي الشَّبِق الذي أدفنه عميقاً في داخلي. "يبدو أنني سأتعب كثيراً مع هذه الإغريقية" أقول في داخلي، بينما تمطرني (إيلينا) بأسئلة لا تنتهي حول هواياتي، الأكل الذي الذي أفضله، الفريق الذي أشجعه، وعن المركز، عن الأطباء المزعجين هنا، والممرضات الواشيات…لقد كانت تريد أن تعرف كل شيء عن "أصول وأطراف اللعبة" هنا. لا أعلم من أين جاءت هذه الفتاة بكل تلك الشجاعة والثقة-بل والتهور-، ولكنها خلال شهرين فقط استطاعت أن تتسرب كالماء في كل ثنايا المركز، وتكوّن علاقات وثيقة مع الجميع؛ من أفراد الحراسة وموظفي الإستقبال، إلى الممرضات، إلى معظم الإستشاريين، إلى رؤساء الأقسام، بل وتمكّنت أيضاً من تكوين رابطة وثيقة بمديرة المركز (التي تحوم إشاعات حول كونها مثلية!!!).
كنت أجلس في مقهى مركز (ساوث باك) محدقاً في الفراغ وأنا أغرق في هذا الفيض الدافق من الذكريات، وأمامي كوب دبل مكياتو لم أتناول منه شيئاً، عندما أحسست بيد ناعمة تربت على كتفي، وصوت أنثوي ذي بحّة يقول:"هل تأخرتُ عليك؟"…..يتبع
________________________
* بَبّ أو Pub هو المصطلح الذي يستخدمه الإنجليز لتسمية البار أو الحانة.
Published on November 29, 2013 11:56
No comments have been added yet.
عبدالدائم اكواص's Blog
- عبدالدائم اكواص's profile
- 10 followers
عبدالدائم اكواص isn't a Goodreads Author
(yet),
but they
do have a blog,
so here are some recent posts imported from
their feed.
