العجوز الشقراء التي لا تحبني-26



"الحلمُ يا محبوبتي زادي
دمُ الرؤيا الذي أحيا به
موتي وميلادي
والحبُّ ميعادي
وذاكرةُ الهوى المخضرّ في وجه الخريف
والحلمُ لم يصهرْ دمي صهراً
ولم يشهقْ عميقاً في يدي جرحُ الرغيف
هذا اعترافي…فاشهدي"*



هكذا تنكشفُ المشاهد كما تتفتح الأزهار ذات ربيعٍ بعيد. كل شيٍ ينسابُ نحو صيرورته كما ينساب الماء الزلال في الجداول والسواقي. هكذا رسمت الأزلية، وقضت الحتمية. كل سرٍّ ينكشف، وكل مبهمٍ يتضح، وكل قصيٍّ يُدرك، وكلُّ سؤالٍ يُجاب، ولو بعد حين. أما الحبُّ فهو سرُّ الأسرار الذي يبقى مثناثراً كذرات الأثير دون أن يحيطه البيان، ودون أن تدركه الحواس. لكل شيء سبب الإ الحبّ فلا يحتاج لمسبّب أو وسيط، فهو سبب قائم بذاته، يحدث بدون مقدمات أو إعلان، يحدث فيكون هو سبباً لما يليه من أحداث. ولكل شيء أوان ومكان ماعدا الحب؛ فهو زمنٌ في ذاته، يُؤرخُ به ويُميز به بين سائر الأيام. أما مكانه فليس له مكان، ومكانه القلب، ومكانه كل مكان يحيط بنا ساعة تذكرنا لمن نحب، فهو بذلك أكثر اتساعاً من أفق البحر عند الفجر، ومن خيال سجين. الحبّ هو الحدث الذي ينهي حقبة ويبدأ أخرى، فيصبح المفصل الذي تتمحور حوله حياة الإنسان. والحبّ أكبر من مساحة العبارة، وأعظمُ من حاجات الجسد، وهو أقوى من الخوف والتردد واليأس، وأبقى ممّن يتفنّون في إضاعته أو أفساده.

هل قلت لكم بأنني أحببت؟ ربما نعم، أو ربما استوحيتم ذلك من سياق الكلام، ربما وربما…غير أنني سأستخدم سلطتي ككاتب لهذه الرواية لأستبق الأحداث، وأحرق المفاجأة وأقول لكم: نعم لقد أحببت. نعم لقد أحببتها هي ولا أحد غيرها. نعم، تلك التي لما أرها من قبل، ولم ألتقِ بها ألا داخل معمل مكتظ كقنّ الدجاج، ولم يستمر الحديث بيننا لأكثر من ثوان. سيقول أحدهم أني جننت، ويقول آخرُ أني أخرق، وستقول قارئة ما "بصراحة over"، وربما تشعر أخرى بالغيرة. سيتم رجمي بمئات الـ(كيف) و (لماذا) وغيرها من أدوات الإستفهام والتعجب التي ينظر له الحبُّ من عليائه كما ينظرُ الصقر لسرب من النمل. لذا اتركوا عنكم مسارب الشك، وممرات الجدال، واتبعوني إلى المفازة الرحبة…مفازة الحب، أعرض لكم حكايتي كما هي. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*من قصيدة "طرابلس الغرب" للشاعر محمد الفقيه صالح
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on December 29, 2013 00:14
No comments have been added yet.


عبدالدائم اكواص's Blog

عبدالدائم اكواص
عبدالدائم اكواص isn't a Goodreads Author (yet), but they do have a blog, so here are some recent posts imported from their feed.
Follow عبدالدائم اكواص's blog with rss.