العجوز الشقراء التي لا تحبني-31 (الفتاة اللغز)
حتى بعد لقائي بـ(وئام) وطلبي منها مساعدتي؛ أستمر في بحثي الحثيث عن (فاتن). أواصل مواظبتي على حضور المحاضرات لعلي أراها مجدداً. أصبحتُ فجأة طالباً "مجتهداً" آتي للجامعة السابعة ونصف صباحاً، ولا أغادرها إلا عند الرابعة مساءً، وطوال تلك المدة لا تكف عيناي عن البحث عنها في المدرج، في ممرات الكلية، في المكتبة، وفي كل مكان ممكن. ثم، وبعد عدة أيام، حدثت "المعجزة"!. فهأنذا أرى بأم عيني فتاة يشبه قوامها وهيئتها قوام وهيئة (فاتن). أشاهدها وهي تقف داخل إحدى محال التصوير داخل الكلية، وبدون أدنى تردد أو تفكير أتجه لذلك المحل، وأقف أمامه منتظراً خروجها. بمجرد خروجها هي وصاحبتها، وإيقاني أنها (فاتن)، أتوجه لها مخاطباً:
-"السلام عليكم" أقول في ارتباك…
-تنظر إلى (فاتن) متفاجأة لوهلة ثم ترد:"وعليكم السلام ورحمة الله"…
-"أني (خالد) زميلك. تفكرتيني" أسألها…
-"آسفة والله بس ما تفكرتكش…تفضل" تقول في اقتضاب…
-"ما تتفكريش لما جيتك نهارها في معمل البارا وطلبت منك مذكرتك متع العملي؟"…
-"آآآه أيه صح. آسفة والله نسيت. مازال محتاجها؟"…
-"طبعاً لو ما عندكش مانع" أقول محاولاً أسباغ نوعاً من الظرف على نبرتي…
-"خلاص غدوة نجيبهالك إن شاء الله. غدوة نفس الوقت هذا جاية بناخد حاجاتي من المصور. نتلاقوا هني لو يناسبك؟"
-"طبعاً يناسبني. يناسبني جداً" أجيبها دون تردد.
-"خلاص متفقين. وآسفة مرة ثانية أني نسيتك. السلام عليكم" تقول بكل أدب وهدوء، ثم تغادر هي وصاحبتها دون أن تنتظر رداً مني.
عليّ أولاً أن أستوعب أنني إلتقيت بها مجدداً. ثم علي ثانياً أن أستوعب أنني كنت أتحدث إليها. وعلي ثالثاً أن أعترف بأن كل نظريات الحب ، وكل محاضرات "التلخبيط" التي كنتُ ألقيها على أسماع أصحابي من "الضعاف" والمغرر بهم والفاشلين الميؤوس منهم، كل ذلك انهار فجأة من نظرة واحدة لعيني (فاتن). هأنذا (خالد) القراندي معذّب قلوب العذارى، الـ"خيبرة" والمرجع الأعلى للشؤون العاطفية داخل الكلية، يتضآءل إلى تلميذ بائس يقف منبهراً أمام باب مدرسة الحب.
أقرر أن أذهب للبيت مباشرة دون أن ألتقي بأحد. بمجرد وصولي للبيت، أقوم بإغلاق غرفتي علي، ثم آقوم بفتح كمبيوتري، وأضع فيه سي دي يحوي مختارات من سيمفونيات (ڤيڤالدي) و(موزارت) و(تشوبان). ألقي بنفسي على السرير، ثم أحلق مع النغمات في عالم آخر، عالمٍ مليء بالغيوم البيضاء وطيور النورس ورائحة البحر. هو شعور سيريالي أجربه لأول مرة في حياتي، وحالةٌ مبهمة-ولكن لذيذة-يمتزج فيها الحلم بالوهم بالرؤيا بالتفاؤل بكل شيء، حالةٌ تحملني إلى بعدٍ مختلف خارج الزمان والمكان، خارج الوصف والتعريفات البشرية الضيقة. لأول مرة في حياتي أشعر وكأن لي فيزياء مختلفة عن بقية العالم ترفعني لأقصى درجات الصفاء، فأشعر معها وكأنني أرى كل شيء وأملك كل شيء.
غير أن رسالةً نصية وصلتني عبر الهاتف انتزعتني من هذه الحالة الوردية التي كنت أسبح فيها. الرسالة من (وئام)، تقول باختصار:"كلمني توّا". أفكر في البداية أن أعود لحالة الهيام والسكون وأتجاهل رسالة (وئام)، غير أن الفضول في داخلي يأبى إلّا أن أفعل العكس. أمسك بهاتفي واتصل بـ(وئام) فترد بعد أول رنّة وكأنها كانت تنتظرني:
-"أهلاً (خالد)" تقول بسرعة... ثم تضيف "جبت لك معلومات علي البنت زي ما طلبت"….
-" باصي" أقول لـ(وئام) دون أحييها ودون أن أخبرها بأنني تمكنت من لقاء (فاتن)…
-" إسمها (فاتن التاجوري). بنت ملتزمة وفلتة ناجحة الثانية علي ليبيا في الشهادة الثانوية. هي بنت واحدة في عيلتها وعندها زوز خوت أكبر منها. خوتها الزوز محبوسين في (بوسليم). بوها عسكري متقاعد وتوا يخدم مقاول، وأمها ربة بيت.حالتهم المادية مليحة، بس زي ما قلتلك هما عيلة ملتزمة. عندها صديقة واحدة في الكلية ديما معاها سماها (آمال) بس الباين إنها تقرب لها من بعيد. وهذا كل شي حصلته" تقول (وئام) وهي تلتقط أنفاسها بعد عرضت معلوماتها بشكل سريع وكأنها كانت تقرأ فيها من جريدة…
-"منور يا قنين. كنت عارف مفيش حد غيرك يقدر يساعدني. شكراً ليك" أقول لـ(وئام)…
-"معنديش فيه جميل. ياريت ديما نقدر نخدمك. مع السلامة…. و رد بالك" تقول (وئام) مودعة لي وكأنها أيضاً تلمّح لشيء ما.
-"شكراً مع السلامة"…
أنا الآن أقف محتاراً أمام أمرين. أولهما هو قدرة (وئام) على الحصول على كل تلك المعلومات. لكن حيرتي الأكبر كان بسبب ماهية هذه المعلومات التي أثارت مزيداً من التساؤلات والإرتباك في داخلي. يبدو أن الأمر أكثر تعقيداً مما تصورت أو تمنيت. غير أن هاتفاً ما خفياً في داخلي يلحّ علي أن أستمر، ويدفعني في اتجاه هذه الفتاة اللغز، التي يشعرني إقترابي منها وكأنني ألجُ مفازةً شاسعة دون دليلٍ أو بوصلة أو خريطة، ألجها وحيداً لا أحمل من الزاد سوى الشوق، ولا أتسلّح إلا بالحلم.
Published on January 13, 2014 11:36
No comments have been added yet.
عبدالدائم اكواص's Blog
- عبدالدائم اكواص's profile
- 10 followers
عبدالدائم اكواص isn't a Goodreads Author
(yet),
but they
do have a blog,
so here are some recent posts imported from
their feed.

