العجوز الشقراء التي لا تحبني- 32
في اليوم التالي أتوجه إلى محل التصوير لإنتظر (فاتن) حسب اتفاقنا. لا أعلم لماذا أبدو هادئاً اليوم فليس هناك أي شعور بالقلق أو الترقب في داخلي. لا تمرُّ سوى بضع دقائق حتى أرى (فاتن) وهي تتقدم بمفردها من ناحية المكتبة. مشيتها مستقيمة منتظمة، وملابسها -التي يطغى عليها اللون الأزرق اليوم-مرتبة في عناية، بينما يزيد الوشاح الذي تلفّه وجهها الأبيض بياضاً. أراقبها وهي تقترب محتضنة مذكرة ما، بينما تحمل على كتفها حقيبة جلدية. بمجرد أن تصل للمكان الذي أقف فيه، تحييني بابتسامة خفيفة، ثم تقول:-"السلام عليكم خالد. إن شاء الله ما راجيتنيش هلبة؟" تخاطبني وعيناها الكبيرتان الخضروان تنزعان قشرة الهدوء الرقيقة التي تغلفني منذ الصباح…
-"وعليكم السلام ورحمة الله. لا و لا يهمك" أجيبها ثم أضيف "إن شاء الله أني ما نكونش قطعت عليك قرايتك؟"….
-"لا إطلاقاً. أصلاً أنا كنت جاية للمصور" تقول لي بنفس النظرة الواثقة والإبتسامة الهادئة، ثم تواصل"جبت لك المذكرة اللي طلبتها. إن شاء الله بس ما تنساهاش في الكافتيريا ولا صالة البلياردو" تقول لي وهي تمنع نفسها من الضحك…
-"ما تخافيش نصورها اليوم، ونردهالك طول" أقول لها بنوع من الجدية متغاضياً عن تلميحتها.
- "أهي المذكرة" تقول لي وهي تمد لي مذكرتها، ثم تضيف:"ممكن تجيبهالي في المكتبة أو تمدهالي في المدرج لما تكمل بيها؟"….
-"إن شاء الله" أجيبها. ثم أسألها (محاولاً إطالة زمن الحوار طبعاً):"ممكن نسألك وين صاحبتك اللي ديما معاك؟"…
-"ديما معاي؟. شن تراقب فيّا؟" تتساءل متفاجئة…
-"لا إطلاقاً" إجيبها مرتبكاً محاولاً إحاطة الموقف، ثم أضيف "إنتِ طالبة مجتهدة ومميزة ومن الطبيعي إن زملائك يعرفوا من صاحباتك. عادي يعني…."
-"ديما إنتَ هكي؟" تفاجئني بالسؤال…
-"لا لا سبت واثنين واربعاء بس" أقول مستخدماً خيبرتي السابقة ومغامراً بالمزاح مع فتاة من هذا النوع….
-"باهي وبقية الأيام؟" تسألني في فضول تسبغه بنبرة جدية….
-"يعتمد. علي حسب حالة الطقس وحركة المواصلات" أقول مستمراً في مغامرتي المفخخة معها…
-"ديما إنتَ هكّي؟" تسألني مجدداً…
-"على حسب الشخص اللي نكلم فيه" أجيبها هذه المرة بجدية وأنا أنظر لعينيها مباشرة، وضاغطاً على كلمة أقولها لتظهر بعضاً مما أشعر به ناحية هذه الفتاة اللغز.
-"المهم حاول تكمل بالمذكرة وترجعهالي في أسرع وقت" تقول راجعة بالحديث إلى سياقه الأول، ثم تودعني بسرعة. تدخل إلى المصور لأخذ شيء ما ثم تغادره بعد دقيقتين تقريباً، غير أنها وبمجرد مغادرتها، تلفت إلي…تبتسم…ثم تواصل مسيرها.
الحقيقة أنا أعرف وكل من عرفني-أو عرفتني-يعلم أني "خيبرة". غير أن خيبرتي مبنية على تجارب وحسابات. يعني أنني لست مغامراً، فكل تحركاتي مبنية علي خطط ومعلومات، وليست خبط عشواء، فأنا أدرك أن التهور في الإقتراب من فتاة ما دون تحضير مسبق قد يكلفني "صفعة" من نوع ما ستكون مدعاة لسخرية الشامتين الذين يحسدونني على المكانة المرموقة التي وصلت لها كمرجع أعلى للشؤون العاطفية داخل الكلية، وستخفّض تصنيفي "التلخبيطي" داخل الكلية إلى مرتبة "هاوي" بدل "الخيبرة"، وبالتالي سأخسر الكثير من الإمتيازات والإحترام. غير أني في حواري مع (فاتن) ولأول مرة منذ زمن طويل أتصرف باندفاع دون حساب خطواتي، ودون أي بوادر استجابة حقيقية منها، بل مجرد إندفاع في الكلام يدفعه شوق ما بدأ يتنامى في داخلي (وإن لم يصل لحد التهور). مازالت حتى هذه اللحظة محتاراً أمام هذا المحفّز الخفي الذي يدفعني باتجاه هذه الفتاة وكأنني أسير في نومي، ويلح علي للإقتراب أكثر فأكثر منها.
أنتبه فجأة إلى أنني مازلت أقف في المكان الذي تركتني (فاتن) فيه أمام المصور، وأنا أمسك بمذكرتها في يدي حتى نزّ منها العرق. في الحقيقة ليست لدي أي رغبة في تصوير المذكرة اليوم (وربما إطلاقاً)، غير أنها فتحت أمامي درباً لا أعلم كيف سأخوضه، ولا كيف ستكون نهايته. أقرر مغادرة الكلية فأتجه إلى موقف السيارات محاولاً ألا ألتقي بأحد قد يخرجني من هذه الحالة، وبمجرد أن أصل سيارتي، أفتح بابها وأجلس خلف المقود. أتذكر عند هذه اللحظة أنني مازلت ممسكاً بالمذكرة منذ أن أعطتها لي (فاتن) دون حتى أن ألقي نظرة عليها. أقوم بفتح المذكرة، في الصفحة الأولى مكتوب إسم (فاتن جمعة التاجوري) باللغة الإنجليزية وبخط جميل جداً. أواصل تصفح المذكرة، العديد من الشرائح المرسومة بدقة وعناية، وكل شريحة مكتوب تحتها إسم الطفيلي مع ملاحظة صغيرة أحياناً. المذكرة تحفة فنية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ولو كانت في جامعة ما في دولة متقدمة فبالتأكيد سيتم وضعها في متحف الجامعة. ما لفت إنتباهي بشكل خاص هو الدقة المتناهية في نقل التفاصيل، والتوزيع المتناسق للألوان، مما يجعل المطلع عليها يشعر وكأنه يتصفح ألبوماً لعمل فني، وليس مذكرة عملي تحوي رسومات لكائنات وديدان طفيلية. أقرر أخيراً المغادرة، فأقوم بوضع المذكرة علي الكرسي المجاور لي، وبينما أفعل ذلك تسقط منها ورقة مطوية…..
Published on January 22, 2014 09:05
No comments have been added yet.
عبدالدائم اكواص's Blog
- عبدالدائم اكواص's profile
- 10 followers
عبدالدائم اكواص isn't a Goodreads Author
(yet),
but they
do have a blog,
so here are some recent posts imported from
their feed.

