“ص66-67
والسؤال الذي لابد أن نطرحه هو: هل يمكن تأسيس علوم إنسانية دون معرفة الانسان؟ هذا ما حدث بالفعل في العلوم الإنسانية الغربية اذ اختفت الإشارات الى الطبيعة البشرية تماما فيها، ولا يمكن الحوار الا من خلال المؤشرات الكمية والجداول والقرائن المادية المباشرة.
وحينما ترسم هذه العلوم صورة الانسان، فانه يكون انسانا طبيعيا وظيفيا ذا بعد واحد – آليا يتحرك في اطار الدوافع والمثيرات. ويقسم الى الذات والذات العليا والهو، ويدفعه الإيروس والثاناتوس (فرويد) او النماذج الاصلية (يونج). وكما يقول علي عزت بيجوفيتش، فلقد تم طرد النفس من علم النفس.....
أما في علم الاجتماع، فقد أعلن دوركهايم ان الظواهر الاجتماعية مستقلة عن الأفراد، وتتمتع بسلطة قاهرة تفرض نفسها على الافراد عن طريق الاكراه، وان الضمير الفردي صدى للضمير الجمعي. فعندما يتكلم ضميرنا فمعنى ذلك أن المجتمع هو الذي يتكلم فينا....
أما الانثروبولوجيا (علم الانسان!) فهو يؤكد ان الانسان ليس له طبيعة وانما له تاريخ. وان كانت له خاصيات عند الولادة، فهي مجرد استعدادات شفافة لا تصمد امام مؤشرات المحيط القادر على تشكيل الانسان كيفما شاء. ففي الانسان لا توجد دوافع نفسية ثابتة – اللهم الا دافع الجنس والاكل، اما دافع المعرفة والعاطفة والتملك وغيرها فهي في نظر بعض الدراسات الانثروبولوجية متغيرة تظهر وتختفي بحسب عوامل البيئة.
كما سعت النظريات التاريخية (المادية) الى بيان ان الانسان كائن تشكل عبر التاريخ وعبر علاقاته مع الطبيعة ومع الاخرين وأنه قبل ذلك لم يكن انسانا، وليس في طبيعة الانسان خاصيات أولية مشتركة بين الناس لأنه ليس للإنسان طبيعة.”
―
عبد الوهاب المسيري,
الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان