نوستالجيا 1: 12 مارس 2018







البارحة مررت حيث مات/استُشهد/قُتل/ارتقى هـ. تذكرت التفاصيل، ونظرت إلى صندوق الكهرباء الذي احتمى ورائه قبل اللحظة الأخيرة.

لم أكن حاضرًا يومها، لكنني سمعت الحكاية ألف مرة ممن شهدوا أنفاسه الأخيرة. كيف كان وحيدًا هناك في أول الصف أمام الموت، وكيف تلقى الرصاصة في ظهره، والرصاصة في الظهر لا تدل سوى على جبن مطلقها، الذي اغتال هـ بينما عاد للوراء ليُنجد رفيقًا سقط.

كانت الجنازة حاشدة، بكينا ونحن نعانق أغرابًا، ونصبّر بعضنا البعض. كنا صغارًا في السن، وكانت صدمة أننا نُقتل ثقيلة. كانت قمة الفزع، الذي بدأ قبلها بعدة سنوات.

كنت في الثالثة عشر من عمري حين مات خالد. صورة وجهه المطحون للداخل انطبعت في ذهني من أوراق الجرائد. لم أستطع النوم لعدة أيام. لم أشعر بالأمان، لمعرفتي أن بالخارج هناك من يقدر على يقتل شابًا بريئًا بهذا الشكل. قلت: سأقاوم هذا الفزع، في يناير سأشارك في وقفة كهؤلاء الشباب الملتحف بالأسود على الكورنيش.

جاء يناير، وكانت هذه الوقفة مختلفة، وكان شعورًا مختلفًا، لأن للحظة توقف الخوف. الشياطين كانوا أمامنا، على وجوههم تعبيرات مرتبكة، ومفاجأة الضربة الأولى أوجعتهم.

لم يكن هـ مقربًا لي. لم أعرفه سوى رفيقًا أمام الموت والخوف، لكن موته كان مفاجئًا. عرفته أكثر بعد موته. الأسبوع التالي لدفنه حشَدَنا الغضب، وتسلحنا به. طلبنا القصاص له، حملنا أرواحًا على أكففنا المرتعشة، لم نخش أن تهرب منا صاعدة، هـ ينتظرنا بالأعلى. لكن على عكس الرصاصة التي ترفع الروح إلى الأعلى، كانت الهزيمة قادرة على أن تسقطها أرضًا، وتتركها تتحرشج مكسورة غير قادرة على الحراك.

كان يوم المعركة كله يشير إلى نهايته. جاء الموت بكامل عتاده، ومعه الفزع. أفضل ما عندنا لم يكن كافيًا، لم نكن قادرين على الصمود.

كان الوحش المعدني ينفث دخانًا أبيضًا حارقًا يغشى كل شيء، ثم يظهر فجأة من وراءه. بعض السحرة الصغار من بيننا حاولوا ردعه بالنار، تقهقر ثم عاد. كان فوقه فارسًا اسودًا بلا رأس، ويحمل بندقية. صوبها على رأسي، ورأيت ألف رصاصة صغيرة تخرج منها نحوي. تناثر الأحمر على المشهد كله. مسحت عيني وجريت للخلف، حين أدركت أن لم يعد حولي ما يُصمد لأجله. سألني الكثيرون في الخلف "ايه اللي في وشك ده"، لم أرد. أخبرتهم أن هناك رفيقًا غاب في دخان الوحش ولم يعد، وأحتاج إلى البحث عنه. لم أجده.

انسحبنا ونحن نبكي ونعد من سقطوا منا. كان هـ مرتبكًا لا شك، يأتيه الكثيرون، لكنهم ليسوا الرفاق الذين عرفهم.

لعدة أسابيع تلت لم أنم من الكوابيس المتكررة، تعيد لحظة الهزيمة والفرار كل ليلة. في ليلة تلت كنت أسير مع أصحابي في أحد الشوارع المألوفة، كان يومها أجازة. فجأة تسللت لأنفي رائحة الفزع، ودخان الموت. أخبرت من معي بذلك، لم يصدقونني. عند نهاية الشارع رأينا خلقًا يجرون عابرين الشارع من بعيد، ومن خلفهم تتقافز الشياطين بأسلحتهم وضحكاتهم المخيفة.

بدأنا نجري. الشوارع كانت مظلمة، وفقدنا الاتجاه، فقط كلما جريت وجدت أحدهم بجانبي يشير لما ورائي ويقول: اجري! انه وراءك مباشرة! ثم يختفي هاربًا. تعثرت على أحد أحجار الرصيف. انخلع حذائي، ونظرت ورائي فكان الشيطان يقترب بسرعة وأدركت أنني لا فلات لي. لا أدري كيف وجدت سيارة بجواري تفتح لي بابها، ويصرخ كل من فيها لي أن أركب. ركبت، وهربت من الشيطان الذي توقف وهو يعدني بأنها لن تكون آخر مرة.

المعارك التالية كانت حزينة، والأرواح المنكسرة لا تُقبل التضحية بها. تدريجيًا ضللنا الطريق، وفقدنا الرفاق الذين صاروا أشباحًا من ذواتهم السابقة. لعدة أشهر سارت الأمور في نطاق المعتاد، ثم ارتقى أ.

أ كان يشبهنني. كان في نفس عمري، كان يدرس ويلعب الكرة، وكانت لديه فتاة يحبها ويذهب معها إلى السنيما أحيانًا من وراء أهله، وعندما مات كانا متخاصمين. روح أ نجت من الانكسار، لا أعرف كيف، لذا قُبلت. في اليوم الأخير عندما حذروه أنه لا يحمل ما يحميه حتى من دخان الموت، ابتسم وقال أنه سيتوكل على الله. ربما كان يعلم ما ينتظره. ربما ظن أنه لو حاول أن يُفلت، لفلت، ولانضمت روحه لملايين المكسورات.

لم أكن حاضرًا حينها أيضًا، لكنني سمعت بالأمر سريعًا. كنا من أوائل من وصلوا إلى الجثمان في المستشفى، لم يكن حوله سوى أسرة تتحدث ضاحكة بين دموعها أن ابنها شهيد سبقها إلى ما هو أفضل، وصديقٌ له يبكي بحرقة كالمجنون ويكاد يضرب رأسه في الحائط من التشنج، كأنما فقدت روحه السيطرة على جسده، وظلت ترتطم بحوائطه من الداخل طالبة الفرار.

كان أ راقدًا على السرير، وحول رأسه مربوط كي يبقى فمه مغلقًا. كانت عيناه مقفولتين، وقال لنا رجلٌ لا نعرفه قبلوا جبين الشهيد، لا أعرف لماذا. كان جبينه باردًا كالثلج، وسرت رعشة في جسدي. حاولت ألا أصدق أن هذا يحدث.

أمام قبر أ بعد انتهاء الدفن بكيت كثيرًا، وسألت نفسي ألف مرة لماذا نموت نحن. من حولي كان الجمع أغلبه من المراهقين الباكين، قرب النهاية كان المراهقون فقط من ظلوا متمسكين بأمل النصر، لا تدري سذاجةً أم أن سنين الحياة الأقل، تعنى تشربًا أقل لليأس.

ركبنا السيارة عائدين للمدينة. كنا نرتعش من برد الليل المقترب، ومن الدموع المتجمدة على وجوهنا. تناقشنا كثيرًا في جدوى كل ما حدث، حتى علت الأصوات. انتهى النقاش، وصمتنا قليلًا. قال أحدنا بعد برهة:

- هاه مين جاي على البلايستيشن؟

ولم أجد في ذلك غضاضة.
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on June 29, 2018 12:33
No comments have been added yet.