Ismail Wahdan's Blog
August 25, 2019
الساحر.. وصندوق
كان يا مكان، في قديم الزمان، ساحر عجوز يسكن وحيدًا برجَه العالي، لا تُرى قمته من الأرض. عمره ألف عام. أمضاهم منهمكًا بين كتب التعاويذ، أو مرتحلًا بين أركان الأرض. تتابع عليه الملوك والدول. عاصر وقائع كثيرة، واكتسب خبراتٍ تملأ كتبًا سكنت رفوف مكتبته حتى كساها التراب. ثم نظر إلى علمه، واستأثر به. لم يجد في الأرض من يحتمل عبأه.
حدث كثيرًا أن طُلب منه إنقاذ شعب، أو شفاء مريض، إنهاء مجاعة، أو نصرة جيش. حينما يطغى فساد الناس على كل شيء، وتصطبغ حياتهم بالأسود، يسألونه فرصة ثانية. حينما تفقد أضعف الجيوش آخر أمل في النصر، يطلبون منه المدد. حينًا نجح، وحينًا لم يحالفه الحظ. لكنه كان دومًا موجودًا، ولذلك كان كل أهل الأرض شاكرين.
في إحدى الليالي الطويلة، التي يقرر فيها أن يترك الناس يتحملون مسؤولية أفعالهم قليلًا، ليالٍ يمضيها ساهرًا قارئًا كتبه العتيقة، انتهى من إحدى الصفحات وظل يحدق بها، ولم يقلبها. قصة ملكٍ كنز الكنوز، وخزنها، وأغلق عليها الأبواب، ثم بحث عن مشعوذٍ يلقي عليها تعويذة تمنع عنها من كان من غير نسله. مات الملك مع أولاده في وباءٍ مفاجئ، وأمست الكنوز حبيسة سجنٍ لن ينفتح أبدًا. جال بعقل الساحر خاطرٌ غريب: وماذا بعد كل ذلك؟ ما المعنى والفائدة؟ ما الذي يتركه وراءه إن مات اليوم؟
يحمل في فؤاده الكثير.. كنزٌ مدفون لا يحفظ خريطته سواه. هل سيموت معه، ويُغلق عليه أبواب القبر فيستحيل إخراجه بعدها؟ علمه لا يستحقه أحدٌ من بني البشر، لكن جمعهم يحتاجه. معضلة لم يخطر على باله مثلها من قبل.
ترك كتبه، وجلس على كرسيه يفكر حتى نام مهمومًا. استيقظ عند بزوغ أول خيوط الفجر وقد زاره الحل في حُلم. أمضى الشهور التالية بحثًا عن التعويذة المناسبة في كتبه العشرة آلاف.
وجدها.. سافر شرق الأرض وغربها بحثًا عن المقادير المناسبة. اضطر لقتال السباع والتنانين، بعد أن حاول إقناعهم بمنطق لم يستوعبوه أنه لا يريد لهم أذىً. وبعد معاركه، اعتذر لهم في أدب، وأخذ ما ابتغى أخذه، ورحل. عاش مع قبائل بدائية لم تتعلم اللغة بعد ولم يستقم لهم لسان، وعلموه كيف يتكلم بقلبه. كيف يصغى للكون المتحدث بدون كلمات. غاص في أعماق بحيرات سحرية لا يعلم سرها أحد، واستكشف ما حلكت ظلمته حتى نسى بني الإنسان وجوده. زار كائناتٍ مضيئة لم يكن لبشرٍ أن يراها، وسألهم العون فأعانوه، فاهمين ضعفه مدركين حاجته لهم. أمضى ستة أعوامٍ مرتحلًا، وفي نهايتها اكتملت الوصفة، وهان حلمه.
عندما عاد لبرجه نسي أن يرتاح. أمضى مباشرة ثلاث ليالٍ مقمرة يعد الوصفة ويقرأ التعاويذ المناسبة تحت أضواء الأفلاك، وعندما انتهى وبقيت الكلمة الأخيرة لتُقال، ابتسم لأول مرة منذ ثمانية قرون.
قال الكلمة، وغمره ضوءٌ دافئ، ووقف أمامه الصبي حسن المحيا، حليم الطلة، يسأله بسذاجة:
"من أنا؟"
أجابه الساحر بأنه صندوق. اختاره له اسمًا لأنه سيحمل بداخله كنزه الثمين.
"أنا صندوق".
قالها الصبي بسعادة صافية غافلة، لا تصدر سوى من قلب طفلٍ برئ.
أمضى الأيام التالية يحكي للصبي عما أبلى في الألف عام التي عاشها، وكان الصبي مدهوشًا، لا يسعفه عمره المعدود بالأيام للاستيعاب الكامل لكل ما يُقال. وعلَّم الساحر "صندوق" الحيل كلها، وأخذه في جولة في برجه، غرفة غرفة، يشرح له وراء أي الأبواب يحمي كتبه، ووراء أيها تختبئ خزانته الهائلة التي حوت بداخلها كنوزًا من شرق الأرض وغربها، ووراء أيها بلوراته الغالية التي تحمل كل واحدة منها ذكرىً من أهم ذكرياته. هبط معه سلمًا سلمًا على أضواء الشموع، والصبي لا يتوقف عن تلقي المعرفة بظمأ حقيقي. مرَّا على غرف البرج المائة، يفتح الساحر الباب ويترك لصندوق حرية التجول في الغرفة حتى يكتفي ويشبع.. حتى وصل للباب الأخير.
كان باب مخرج البرج أمامهما، بعد أن هبطا طوابقه كلها في رحلتهما التي امتدت أيامًا، بدون أن ينعس أيٌ منهما. سأله صندوق:
"وماذا عن هذا الباب الأخير؟"
فأجابه الساحر مرتبكًا:
"هذا الباب ليس لك أن تدخله، ما زلت صغيرًا عليه".
خاف الساحر على صندوق، سرعان ما صار الصبي عنده أغلى من كل ما ملكه يومًا. والعالم بالخارج خطير، لا تحكمه قاعدة ولا منطق. البرج آمن، وبه خلاصة كل ما وراء ذاك الباب من علمٍ غير مضاهٍ.
هدأت لمعة عين صندوق لأول مرة، ونظر للأرض منكسرًا أول كسرة يكسرها الساحر لعطشه للعلم. تساءل ما السر الذي يخفيه ذلك الباب، وقد أراه الساحر ذكريات الحروب، والوحوش، والدماء، والفظائع التي مرت بالعالم آخر ألف سنة. ماذا تراه أخطر من كل ذلك، يختبئ وراء المقبض؟
ربت الساحر على كتفه الصغير وأخبره بأن عليه الآن أن ينام، فعقله الصغير منهك من كل ما تعلمه، ويحتاج قسطًا من الراحة. أومأ الصبي في طاعة، وصعد الدرجات مسرعًا، لينام في سرير الساحر الذي لم يستخدمه منذ زمنٍ لا يتذكره، فقد ألفَ نومة كرسي القراءة.
أمضى الساحر باقي تلك الليلة يكتب كتابه الأخير، يخط بقلمه، ثم يجفف الصفحة قبل أن يبدأ التالية. وتسلل النعاس إلى عينيه، مستغلًا ثغرةً من رضًا وطمأنينة. ونام الساحر حتى الصباح، ثم نام يومين أو أكثر.
استيقظ على شعورٍ قلق بأنه غاب عن العالم أكثر من اللازم. نادى صندوق، فلم يجبه! قام ليراه في السرير، فلم يجده. بحث عنه في كل أركان البرج، فكأنه الريح اختفى بلا أثر. هبط الدرجات وهو يدعو أن يخالف الواقع توقعاته، ولكنه وجد باب البرج مفتوحًا على مصراعيه، والبراري تمتد أمامه حتى حافة الأرض.
صعد السلم منكس الرأس. جلس على كرسيه، فأن. فتح الصفحة التي قرأ منها تعويذته. أعاد متألمًا قراءة التحذير المنقوش في آخر سطر بخطٍ صغير.
Published on August 25, 2019 04:43
July 9, 2019
نهاية فصل آخر
[image error]
فصل جديد بينتهي في حياتي. أول أوضة أستقر فيها من لحظة ما جيت ألمانيا هسيبها أخيرًا، وهشوف مكان جديد، بتجربة جديدة، متفائل بيها.
أول ما جيت ألمانيا آخر شهر 5- 2017 كنت مرعوب. مكنتش لسه مستوعب إني خدت الخطوة دي فعلًا، وكان ورايا مليون حاجة لازم اعملها على طول عشان أضمن ان رحلتي دي هتنجح (اقامة\سكن\لغة\تقديم جامعات...). مكنش عندي استعداد نفسي لأي فشل، وده خلاني حاطت نفسي تحت ضغط اني مش مسموح لي منجحش من أول مرة في أي حاجة. أول ما جيت مكنتش لسه لقيت سكن، ابتديت دراسة لغة خلال يومين، وأنا مكنتش ذاكرت ألماني قبلها ب 7 شهور مثلًا، ومكنتش جاي أساسًا مستوايا عالي. وكان لازم أوصل لمستوى يؤهلني أدرس في الجامعة خلال 3 شهور بس، عشان أمشي حسب خطتي الزمنية. كان لازم أحقق اللي الناس بتحققه في فترة ما بين 6 شهور لسنة في خلال 3 شهور بس، وأنا بتنطط ما بين سكن لسكن، مش بقعد فيه أكتر من شهرين.
وبعدين عملتها بشكل ما، ولقيت نفسي هبتدي دراسة مباشرة. معرفتش غير قبل بداية التيرم باسبوعين، وكان لازم أنقل بون. مدينة جديدة، معرفش حد، معنديش سكن، كل زمايلي ألمان، مش زي في كورسات اللغة أجانب زيي وفاهمين تجربتي. كل حاجة مقلوبة.
ما بين ايجار أوضة ليلتين، وبين اني أبات عند شاب لسه عارفه من يومين قبلها. مقابلات مع ناس بحاول اقنعهم يأجروا لي سكن برغم إني غريب ومش بتكلم لغتهم بشكل صح 100% واني مجرد طالب حاله مش مستقر. في النهاية لقيت سكن مؤقت - 3 شهور، مع شلة شباب عواطلية. أوضة قذرة، مطبخ مش نضيف، الصالة عبارة عن 3 مناشر غسيل، وعلى طول صحابهم عندهم بيتناقشوا في خطتهم السياسية للمرحلة القادمة - كانوا نشطاء شيوعيين. كانوا شخصيات ظريفة، بس السكن كان وحش جدًا.
برغم ده كان احساس عظيم أول ما خدته، اني أخيرَا نمت على سرير بتاعي، عارف اني هصحى بكره مش مضطر أسيبه. في يوم قريب هضطر أسيبه، بس مش بكرة. اشتريت وقت.. وقتها كنت ابتديت فعلًا أقدر أهمية الوقت في حياة البني آدم، انك تشتري اطمئنانك للحظة الجاية.
وبعدها بشهرين الجامعة بعتت لي انهم لقوا لي أوضة أقدر أسكن فيها في سكن الجامعة.
الأوضة أول مرة أشوفها، وقفت في البلكونة وصورتها. قررت آخدها بدون تردد
الأوضة دي مكنتش مثالية. كانت واسعة آه. البلكونة عظيمة. (الحمام والمطبخ مشتركين مع كذا حد. أوع). بس هي أول مكان اداني إحساس استقرار في البلد الجديد. عقد سنتييييين. سنتين ده زمن بعيد ( دلوقتي قرب يخلص). ممكن يحصل فيه حاجات كتير، أكتر مما الواحد يتخيل. وقد كان.
[image error]جزء من حائط الذكريات، جواب من جدتي، ورقة من أختي الصغيرة، تذكرة متحف اللوفر، صورة رسمها لي واحد صاحبي وحاجات تانية كتير جنبهم
لحظات كتير مرت بالواحد جوا الحيطان دي. أيام مذاكرة وليالي امتحانات وتوتر. زيارات من أصحاب أو قرايب، وليالي الواحد بات فيها مبسوط. لما وصلني خبر ان روايتي أخيرًا هتتنشر (عالمي الهادئ كنت خلصت كتاباتها قبل ما أسافر، وقعدت سنة بدور على دار نشر تقبلها، وبعد ما عرضتها على 17 دار نشر عربية، أخيرًا دار روافد وافقت تراهن عليها). كتبت قصص كتير وانا قاعد على السرير ده، قريت كتب، وفكرت في حاجات كتير. افتكرت مصر، وافتكرت الثورة. حسيت بأزمة هوية عظيمة. سألت نفسي كتير أنا جزء من ايه، وفيه ليلة في يناير 2018 فاكر فيها كويس اني نمت على خبر مجموعة شباب هيتعدموا تاني يوم الفجر في مصر، وكانت آخر فكرة في دماغي قبل ما أنام إني مبسوط إني بعيد عن مصر وكل فُجر وسواد فيها، برغم كل تعب تعبته هنا، واتمنيت كل اللي بحبهم فيها يبقوا بعاد عنها وفي أمان.
في الأوضة دي عدى عليا أكتر وقت حسيت بيه بالحب، وأكتر وقت حسيت بيه بخيبة الأمل، وفي النص أحساسيس كتير مختلفة ومركبة. بس مع الوقت اتعودت عليها، وعيوبها بانت أكيد. الواد الأسباني اللي بيسرق أكلي، الألماني اللي بيشغل موسيقى عالية الساعة 7 الصبح (يا ريت كان ذوقه حلو كان الواحد صحي رايق). الياباني اللي عبارة عن كارثة في مسألة النضافة الشخصية. المطبخ اللي كله بيعمل عبيط ومش بينضف وراه، وازاة صابون المواعين اللي أنا دايمًا بشتريها عشان كلهم يستخدموها اكنها بتنزل من السما، ولو فضيت وانا مجبتش هتقعد بالأسابيع محدش هيجيب غيرها. كله معتمد ان حد بييجي ينضف مرة في الأسبوع. مع التعود عيوب كل حاجة بتبان، بتوضح، بتتكرر كل يوم لحد ما تزهق منها.
بس أول ما تيجي تسيبها فجأة تحس ان كل العيوب دي مشيت، ومش باقي غير الحلو. زي لما تكون مرتبط بحد وتقرر انه مش مناسب ليك، فجأة بيبقى في عينك أجمل وأحسن وأنسب شخص ليك على وجه الأرض. بس ده مجرد فيلتر اللحظات الأخيرة، أحيانًا لازم تحاول تكمل ضده عشان تنتقل لمرحلة جديدة، ربما تكون مخيفة في الأول، بس احتمال كبير برضه تكون شايلة لك الأحسن. صحيح اني دلوقتي مش بفكر في قد ايه السكن ده مكانه حلو، وقريب من كل حاجة، وقد ايه الأوضة دي واسعة ومريحة نفسيًا وسندتني في أسوأ لحظات ضغط، بس أن حاسس ان خلاص وقتها انتهى، واني مش لازم أخاف من مرحلة جديدة. أنا بشكر الأوضة دي، ومبسوط بكل ذكرياتي فيها، بس أنا جاهز للي جاي.
وهبقى أكت قريب عن البداية الجديدة.
فصل جديد بينتهي في حياتي. أول أوضة أستقر فيها من لحظة ما جيت ألمانيا هسيبها أخيرًا، وهشوف مكان جديد، بتجربة جديدة، متفائل بيها.
أول ما جيت ألمانيا آخر شهر 5- 2017 كنت مرعوب. مكنتش لسه مستوعب إني خدت الخطوة دي فعلًا، وكان ورايا مليون حاجة لازم اعملها على طول عشان أضمن ان رحلتي دي هتنجح (اقامة\سكن\لغة\تقديم جامعات...). مكنش عندي استعداد نفسي لأي فشل، وده خلاني حاطت نفسي تحت ضغط اني مش مسموح لي منجحش من أول مرة في أي حاجة. أول ما جيت مكنتش لسه لقيت سكن، ابتديت دراسة لغة خلال يومين، وأنا مكنتش ذاكرت ألماني قبلها ب 7 شهور مثلًا، ومكنتش جاي أساسًا مستوايا عالي. وكان لازم أوصل لمستوى يؤهلني أدرس في الجامعة خلال 3 شهور بس، عشان أمشي حسب خطتي الزمنية. كان لازم أحقق اللي الناس بتحققه في فترة ما بين 6 شهور لسنة في خلال 3 شهور بس، وأنا بتنطط ما بين سكن لسكن، مش بقعد فيه أكتر من شهرين.
وبعدين عملتها بشكل ما، ولقيت نفسي هبتدي دراسة مباشرة. معرفتش غير قبل بداية التيرم باسبوعين، وكان لازم أنقل بون. مدينة جديدة، معرفش حد، معنديش سكن، كل زمايلي ألمان، مش زي في كورسات اللغة أجانب زيي وفاهمين تجربتي. كل حاجة مقلوبة.
ما بين ايجار أوضة ليلتين، وبين اني أبات عند شاب لسه عارفه من يومين قبلها. مقابلات مع ناس بحاول اقنعهم يأجروا لي سكن برغم إني غريب ومش بتكلم لغتهم بشكل صح 100% واني مجرد طالب حاله مش مستقر. في النهاية لقيت سكن مؤقت - 3 شهور، مع شلة شباب عواطلية. أوضة قذرة، مطبخ مش نضيف، الصالة عبارة عن 3 مناشر غسيل، وعلى طول صحابهم عندهم بيتناقشوا في خطتهم السياسية للمرحلة القادمة - كانوا نشطاء شيوعيين. كانوا شخصيات ظريفة، بس السكن كان وحش جدًا.
برغم ده كان احساس عظيم أول ما خدته، اني أخيرَا نمت على سرير بتاعي، عارف اني هصحى بكره مش مضطر أسيبه. في يوم قريب هضطر أسيبه، بس مش بكرة. اشتريت وقت.. وقتها كنت ابتديت فعلًا أقدر أهمية الوقت في حياة البني آدم، انك تشتري اطمئنانك للحظة الجاية.
وبعدها بشهرين الجامعة بعتت لي انهم لقوا لي أوضة أقدر أسكن فيها في سكن الجامعة.
الأوضة دي مكنتش مثالية. كانت واسعة آه. البلكونة عظيمة. (الحمام والمطبخ مشتركين مع كذا حد. أوع). بس هي أول مكان اداني إحساس استقرار في البلد الجديد. عقد سنتييييين. سنتين ده زمن بعيد ( دلوقتي قرب يخلص). ممكن يحصل فيه حاجات كتير، أكتر مما الواحد يتخيل. وقد كان.
[image error]جزء من حائط الذكريات، جواب من جدتي، ورقة من أختي الصغيرة، تذكرة متحف اللوفر، صورة رسمها لي واحد صاحبي وحاجات تانية كتير جنبهم
لحظات كتير مرت بالواحد جوا الحيطان دي. أيام مذاكرة وليالي امتحانات وتوتر. زيارات من أصحاب أو قرايب، وليالي الواحد بات فيها مبسوط. لما وصلني خبر ان روايتي أخيرًا هتتنشر (عالمي الهادئ كنت خلصت كتاباتها قبل ما أسافر، وقعدت سنة بدور على دار نشر تقبلها، وبعد ما عرضتها على 17 دار نشر عربية، أخيرًا دار روافد وافقت تراهن عليها). كتبت قصص كتير وانا قاعد على السرير ده، قريت كتب، وفكرت في حاجات كتير. افتكرت مصر، وافتكرت الثورة. حسيت بأزمة هوية عظيمة. سألت نفسي كتير أنا جزء من ايه، وفيه ليلة في يناير 2018 فاكر فيها كويس اني نمت على خبر مجموعة شباب هيتعدموا تاني يوم الفجر في مصر، وكانت آخر فكرة في دماغي قبل ما أنام إني مبسوط إني بعيد عن مصر وكل فُجر وسواد فيها، برغم كل تعب تعبته هنا، واتمنيت كل اللي بحبهم فيها يبقوا بعاد عنها وفي أمان.
في الأوضة دي عدى عليا أكتر وقت حسيت بيه بالحب، وأكتر وقت حسيت بيه بخيبة الأمل، وفي النص أحساسيس كتير مختلفة ومركبة. بس مع الوقت اتعودت عليها، وعيوبها بانت أكيد. الواد الأسباني اللي بيسرق أكلي، الألماني اللي بيشغل موسيقى عالية الساعة 7 الصبح (يا ريت كان ذوقه حلو كان الواحد صحي رايق). الياباني اللي عبارة عن كارثة في مسألة النضافة الشخصية. المطبخ اللي كله بيعمل عبيط ومش بينضف وراه، وازاة صابون المواعين اللي أنا دايمًا بشتريها عشان كلهم يستخدموها اكنها بتنزل من السما، ولو فضيت وانا مجبتش هتقعد بالأسابيع محدش هيجيب غيرها. كله معتمد ان حد بييجي ينضف مرة في الأسبوع. مع التعود عيوب كل حاجة بتبان، بتوضح، بتتكرر كل يوم لحد ما تزهق منها.
بس أول ما تيجي تسيبها فجأة تحس ان كل العيوب دي مشيت، ومش باقي غير الحلو. زي لما تكون مرتبط بحد وتقرر انه مش مناسب ليك، فجأة بيبقى في عينك أجمل وأحسن وأنسب شخص ليك على وجه الأرض. بس ده مجرد فيلتر اللحظات الأخيرة، أحيانًا لازم تحاول تكمل ضده عشان تنتقل لمرحلة جديدة، ربما تكون مخيفة في الأول، بس احتمال كبير برضه تكون شايلة لك الأحسن. صحيح اني دلوقتي مش بفكر في قد ايه السكن ده مكانه حلو، وقريب من كل حاجة، وقد ايه الأوضة دي واسعة ومريحة نفسيًا وسندتني في أسوأ لحظات ضغط، بس أن حاسس ان خلاص وقتها انتهى، واني مش لازم أخاف من مرحلة جديدة. أنا بشكر الأوضة دي، ومبسوط بكل ذكرياتي فيها، بس أنا جاهز للي جاي.
وهبقى أكت قريب عن البداية الجديدة.
Published on July 09, 2019 12:25
July 6, 2019
عدالة السماء
أتفهم الشماتة.
أتفهم أن تبحث حولك عمن يعترض على الباطل سواك، فلا تجد. أن ترى الأكفف تُخرس الصحايا، وترفع المجرمين فوق الرؤوس، ولا صوت يعلو فوق صوت الحفلة. الحفلة خُلقت لننسى أنفسنا، لننسى الواقع، لننسى مدى السوء الذي يمكن للحياة أن تكونه. الجدار رفيع للغاية، وأصوات الشكاوي واستنجادات المظاليم يخدشوه.
حافظ على الجدار بأي شكل.
أتفهم أن تراقب الظالم المتمكن في كامل حلته، يبتسم كأن لن يقدر عليه أحد، يتفاخر بأفعاله، يرفع يده للجماهير دون حياء. أتفهم أن يغلي دمك، أن تود الصراخ فيه وفي الجميع، أن تسبهم، أن تلعنهم، أن تعزل نفسك منهم، وتأوي إلى جبل يعصمك من قومٍ اختاروا الجهالة راضين.
أتفهم ذلك الدخان الأسود المتجمع في صدرك، يرفع ابتسامة على وجهك كلما رأت يصيبهم سوء.
لكنها ليست العدالة. هو مجرد شعور بالرضى، رغبة في العدالة. أمنية أن تأتي العدالة من تلقاء نفسها، ويتوقف إحساسك بالغضب، وتأنيب نفسك على قلة حيلتك. رغبة في أن تحل المشكلة نفسها، أن يستسلم العدو دون حرب. تريد أن ترتاح، تريد أن تؤمن أن الأمور صارت أفضل بأي شكل، فما عدت تطيق الصبر. لكنها ليست العدالة.
العدالة غير عشوائية. العدالة ليست موازنة للحزن بالحزن بالعالم. السارق عقوبته لن تكون مرضًا، المغتصب عقوبته لن تكون إفلاسًا. القاتل عقوبته لن تكون أن يحزن على ابنه وهو في ريعان شبابه. العدالة تأتي محددة، واضحة، صريحة، تعاقب الفعل قبل الفاعل.
العدالة لا تأتي دون دعوة. لا تأتي دون عناء. لا تأتي دون من يكافح لها، من يقف في صفها حتى عندما يؤذيه الناس ليتوقف عن تشويه صورة عالم أفضل. لا أحد يريد أن يصدق أنه يعيش في عالم بهذا السوء. لو أن كل الضحايا كاذبون لعنى ذلك أن العالم ما زال بعد محتمل. يجب أن تكسر هذه الصورة، كل خطوة للأمام لا تأتي سوى بالألم.
والعدالة لا تتنزل من السماء.
أتفهم أن تبحث حولك عمن يعترض على الباطل سواك، فلا تجد. أن ترى الأكفف تُخرس الصحايا، وترفع المجرمين فوق الرؤوس، ولا صوت يعلو فوق صوت الحفلة. الحفلة خُلقت لننسى أنفسنا، لننسى الواقع، لننسى مدى السوء الذي يمكن للحياة أن تكونه. الجدار رفيع للغاية، وأصوات الشكاوي واستنجادات المظاليم يخدشوه.
حافظ على الجدار بأي شكل.
أتفهم أن تراقب الظالم المتمكن في كامل حلته، يبتسم كأن لن يقدر عليه أحد، يتفاخر بأفعاله، يرفع يده للجماهير دون حياء. أتفهم أن يغلي دمك، أن تود الصراخ فيه وفي الجميع، أن تسبهم، أن تلعنهم، أن تعزل نفسك منهم، وتأوي إلى جبل يعصمك من قومٍ اختاروا الجهالة راضين.
أتفهم ذلك الدخان الأسود المتجمع في صدرك، يرفع ابتسامة على وجهك كلما رأت يصيبهم سوء.
لكنها ليست العدالة. هو مجرد شعور بالرضى، رغبة في العدالة. أمنية أن تأتي العدالة من تلقاء نفسها، ويتوقف إحساسك بالغضب، وتأنيب نفسك على قلة حيلتك. رغبة في أن تحل المشكلة نفسها، أن يستسلم العدو دون حرب. تريد أن ترتاح، تريد أن تؤمن أن الأمور صارت أفضل بأي شكل، فما عدت تطيق الصبر. لكنها ليست العدالة.
العدالة غير عشوائية. العدالة ليست موازنة للحزن بالحزن بالعالم. السارق عقوبته لن تكون مرضًا، المغتصب عقوبته لن تكون إفلاسًا. القاتل عقوبته لن تكون أن يحزن على ابنه وهو في ريعان شبابه. العدالة تأتي محددة، واضحة، صريحة، تعاقب الفعل قبل الفاعل.
العدالة لا تأتي دون دعوة. لا تأتي دون عناء. لا تأتي دون من يكافح لها، من يقف في صفها حتى عندما يؤذيه الناس ليتوقف عن تشويه صورة عالم أفضل. لا أحد يريد أن يصدق أنه يعيش في عالم بهذا السوء. لو أن كل الضحايا كاذبون لعنى ذلك أن العالم ما زال بعد محتمل. يجب أن تكسر هذه الصورة، كل خطوة للأمام لا تأتي سوى بالألم.
والعدالة لا تتنزل من السماء.
Published on July 06, 2019 23:39
November 1, 2018
الحلقة الأولى
يكره البيت الجديد. يكره كل شيء حوله. يكره اتساعه. يكره السكون المعشش بين جدرانه. يكره ظلام الشوارع من حولهم ليلًا، دلالة على أن المنطقة لا يسكنها ما يكفي من البشر لتتم إنارته. يكره غرفته الجديدة. في الغرفة السابقة كان السريرين متقاربين، كان يتحدث مع أخيه بصوتٍ هادئ بعد أن يغلق أبواه الأنوار، حتى لا يسمعوهم. يرسمون سيناريوهاتٍ خيالية على سواد السقف، يحكون بكل مبالغة ما مروا به أثناء اليوم في المدرسة. الآن سرير أخيه في الركن بعيد، وأخوه لم يعد يحادثه. يغط في النوم بمجرد أن تذهب الأنوار، يناديه فلا يرد عليه. يتركه وحيدًا، وسقف الغرفة الجديدة يأبى أن تُرسم عليه الحكايات الجميلة التي كانت تونس ليلته، حتى يحن عليه النوم.هو الآن وحده في الظلام الدامس. شباك الغرفة مُغلق، فالشتاء بارد؛ ولذا فضوء القمر محبوسٌ بالخارج. هناك فرجة ضيقة بين الزجاج والنافذة، ينفذ منها صوت الرياح. هذه المدن الجديدة اللعينة، فارغة من البشر، وتسكنها كل الأشياء ذات الأصوات المرعبة: الكلاب، والرياح، والجن لا ريب. في المدرسة مدرس يحكي لهم باستمرار –وهوس- عن الجن، ساكني الصحراء والقبور، آكلي عظام الموتى. ربما يحكي هذا فقط لأن هذه القصص تتركهم تحت رحمة خيالهم، تتسلق القشعريرة ظهورهم، ويلتصقون في بعضهم البعض في صمت وخوف. لكنه لا يترك هذه القصص في المدرسة، تصحبه نحو البيت، وتبيت الليلة معه. النوم غاب عن عينه. لاشك أن الساعة جاوزت منتصف الليل، صوت التلفاز بالخارج توقف منذ ما يقارب الساعة، وهذه هي الإشارة على دخول والده للنوم. يغلق عينه، يحاول أن يسلم نفسه للنعاس، يرفضه. يفتح عينيه في انتباه لا يأتيه طوال اليوم، يخنقه الظلام. يحاول أن يغلقها مجددًا، لعله ينساه. تؤلمه عينه، كأنها ترفض أن تُحبس أثناء الاستيقاظ. يدعو الله أن ينام. يتقلب ويصير على جانبه، الغرفة ممتدة أمامه. يكره الاتساع، مساحات أكبر للعفاريت والغيلان كي يختبئوا، ويتحينوا الفرصة للانقضاض عليه. يخبرانه أنه سيعتاد، يخبرانه أن الظلام لا يخيف، يخبرانه أن الوحوش لن تأتي له ليلًا. لماذا إذًا يخبره قلبه بأنهما في كل ذلك كاذبان؟ ولماذا منذ أن انتقل لهذا البيت اللعين، وقلبه مقبوض كأنه في حضرة الموت. ألهذا علاقة بالمدافن القريبة؟ من المجنون الذي يسكن قرب المدافن؟ يكاد يسمع صوت تهشم العظام في أفواه الغيلان. الآن يأتيه النوم، الآن يأتيه. عليه فقط أن يركز في إفراغ ذهنه من كل الأفكار، فكر في اللون الأسود فقط، أو فكر في لعب الكرة. اقنع مخك أنك بدأت فعلًا بالحلم. ها أنت تتجاوز الأول، والثاني. ها أنت تقترب من الهدف. ها أنت تسقط فجأة في هاوية عميقة.انتفض مفزوعًا، وأدرك أنه كان قد نام واستيقظ توًا. لماذا! لماذا لم يكمل نومه حتى الصباح! ربما مرت ساعات، ربما دقيقتان. يكره هذه الليالي. تحدث أكثر من اللازم منذ سكنوا هنا. التفت نحو سرير أخيه، كيف يرقد في سلام هكذا؟ ربما لأنه أخوه الصغير. ربما يشعر بالأمان لأن في الغرفة من هو أكبر منك. ما أسوأ أن تكون أنت أكبر من في الغرفة. ولكن...هل يُهيأ له أم أن سرير أخيه فارغ؟ حتى في الظلام يقدر على رؤية ظل جسده الملتحف بالبطانيات، يبدو السرير الآن مسطحًا. ما الذي يحدث؟ أين يمكن أن يكون قد ذهب؟ فكر في أن يُضيء الأنوار ويتأكد، لكن مفاتيح الإنارة بعيدة عند باب الغرفة. ناداه: "منير". لم يُجب. "منير، أنت هنا؟". أزاح البطانية من عليه، وأدلى قدميه من على السرير. قام وصار محاطًا بالمجهول من كل الاتجاهات. اقترب من سرير منير، وضع يده عليه. السرير بارد، كأنما لم يقربه أحد طوال الليل. السرير فارغ. أين ذهب منير؟خرج إلى الطرقة، أضاء نور الحمام. سار في الشقة ببطء، مناديًا هامسًا: "منير. أين أنت؟" لكنه يعلم أن لا أحد في الشقة. منير ليس في الصالون، ولا غرفة المعيشة، وليس في أحد الحمامات. هل ذهب لوالديه؟ عاد ونظر لباب غرفتهم، كان مغلقًا. حاول فتحه، كان مقفولًا بالمفتاح. عاد للغرفة، واتجه لمفتاح الإنارة. بدأ يظن أن منير يختبئ منه في الغرفة، هل هذا مقلبٌ قاسي؟ بدأ الخوف يتملكه. قبل أن يضع اصبعه على المفتاح، سمع صوتًا قادمًا من الخارج. الستائر جوار سرير منير مباشرة، اقترب منها وفتحها. الشارع أكثر حلكة من المعتاد، هناك عامود إنارة وحيد يعمل. سمع صوتًا ينادي عليه من الخارج، صوت منير. وقف على السرير ينظر خارج الشباك، وهناك لاحظه. على حافة النور يقف، والظلام يُخفي ملامحه. في يده منير، الذي يحاول أن يُفلت منه. رآه منير بارزًا من الشباك، صاح فيه:"ياسين! الحقني!"قفز من على السرير، وجرى نحو غرفة والديه. صرخ فيهما "بابا! ماما! افتحوا الباب! إنه يخطف منير!" لم يسمع حركة بالداخل. أخذ يضرب الباب بقبضة يده بكل ما أوتي من قوة، وأحس به يكاد يسقط من مكانه."اصحوا! اصحوا!"لا يسمعونه. منير بالخارج، يسحبه ذلك الغريب مبتعدًا. ما زال يصرخ. جرى ياسين نحو باب الشقة، ووقف أمامه مذعورًا. ماذا يفعل؟ لن يتركه يأخذ أخاه. ارتعش من الخوف، نادى آخر مرة في يأس:"بابا! ماما!" لم يفتحوا الباب. لم يستيقظوا حتى. فتح باب الشقة، وجرى على السلم المظلم نحو الأسفل، حتى وصل لباب العمارة. كانا أمامه الآن، ووقف ياسين يحدق فيهما في رعب. لم يكن بشرًا. كان طوله نصف طول عامود النور، وكان يمسك بمنير بيدين في غاية الرفع، لكن وراء ظهره كانتا هناك يدان أُخرتان، يشابهان نصال السكاكين. وساقيه لم تكونا كساقين البشر، كانا أربعة، منثنين تحته كسيقان العنكبوت. وكانت رأسه طويلة، لا وجه فيها. سحب منير مبتعدًا ببطء كأن معه طول الليل. منير الذي أخذ يصرخ في فزع حتى ذهب صوته وشحب وجهه، مادًا يده نحو أخيه الواقف على أول الشارع أمام العمارة. تجمدت أقدام ياسين. أحس بالبلل يسيل في بنطاله، حاول أن يصرخ مستنجدًا، لم تخرج الصرخة. وقف يكاد ينفطر بين أن يجري وراء أخيه، وبين أن يصعد مجددًا يستنجد بوالديه. أخيرًا عاد له صوته، يصيح في هلع: "ساعدونا! إنه يأخذ أخي!!"، والشارع كله في ثبات كالأموات. لا يوجد سواهما في مواجهة هذا الشيء. كاد الخوف يهلكه، لكن عاد لياسين عقله لمدة ثانية، وأدرك أنه لن يترك أخاه مهما حدث. بدأ يصرخ: "اتركه! اتركه!"، وأسرع يجري نحوه. الكائن الذي كان في غاية البطء حتى اللحظة، انطلق مبتعدًا بسرعة الريح. جرى ياسين وراءه، لكن أقدام الشيء الطويلة عبرت الشارع المظلم في ثانية، وفي يده منير، واختفى عند الناصية. جرى ياسين وهو يستنجد بالناس الغائبين، فلم يكد يأخذ أنفاسه. وحين وصل لنهاية الشارع التفت حوله فلم يره. نظر لأعلى فلمح الشيء يتسلق سطح أحد العمائر، كأنه عنكبوت ضخم يغطي وحده دورًا كاملًا، ثم اختفى في الظلام. جرى نحو الشارع الذي اختفى فيه، لم يعد قادرًا على رؤية شيء. بدأ يتخبط في الموجودات من حوله، لا يدري أيها الأشجار وأيها أعمدة الإنارة. عرقلته حجارة الرصيف، سقط على الأسفلت، وأحس بيده تنزل في سائل لزج، رفعها وشم رائحة الدم فيها. أدرك بكل يقين دم من هذا. صرخ فزعًا وظل يصرخويصرخويصرخوأدرك أنه ليس وحده من يصرخ، وأدرك أن هذا صوت أمه. فتح عينه فوجد نفسه في سريره، وأن الصباح قد أتى. أمه واقفة أمامه تصرخ وعلى وجهها رعب من رأت الموت، وتدريجيًا أدرك أن هذا الأحمر المتناثر في كل ركنٍ في الغرفة دماء، وأن سرير أخيه فارغ، وأن في يده سكينًا لا يعرف متى جاءت.
Published on November 01, 2018 13:08
June 29, 2018
نوستالجيا 1: 12 مارس 2018
البارحة مررت حيث مات/استُشهد/قُتل/ارتقى هـ. تذكرت التفاصيل، ونظرت إلى صندوق الكهرباء الذي احتمى ورائه قبل اللحظة الأخيرة.
لم أكن حاضرًا يومها، لكنني سمعت الحكاية ألف مرة ممن شهدوا أنفاسه الأخيرة. كيف كان وحيدًا هناك في أول الصف أمام الموت، وكيف تلقى الرصاصة في ظهره، والرصاصة في الظهر لا تدل سوى على جبن مطلقها، الذي اغتال هـ بينما عاد للوراء ليُنجد رفيقًا سقط.
كانت الجنازة حاشدة، بكينا ونحن نعانق أغرابًا، ونصبّر بعضنا البعض. كنا صغارًا في السن، وكانت صدمة أننا نُقتل ثقيلة. كانت قمة الفزع، الذي بدأ قبلها بعدة سنوات.
كنت في الثالثة عشر من عمري حين مات خالد. صورة وجهه المطحون للداخل انطبعت في ذهني من أوراق الجرائد. لم أستطع النوم لعدة أيام. لم أشعر بالأمان، لمعرفتي أن بالخارج هناك من يقدر على يقتل شابًا بريئًا بهذا الشكل. قلت: سأقاوم هذا الفزع، في يناير سأشارك في وقفة كهؤلاء الشباب الملتحف بالأسود على الكورنيش.
جاء يناير، وكانت هذه الوقفة مختلفة، وكان شعورًا مختلفًا، لأن للحظة توقف الخوف. الشياطين كانوا أمامنا، على وجوههم تعبيرات مرتبكة، ومفاجأة الضربة الأولى أوجعتهم.
لم يكن هـ مقربًا لي. لم أعرفه سوى رفيقًا أمام الموت والخوف، لكن موته كان مفاجئًا. عرفته أكثر بعد موته. الأسبوع التالي لدفنه حشَدَنا الغضب، وتسلحنا به. طلبنا القصاص له، حملنا أرواحًا على أكففنا المرتعشة، لم نخش أن تهرب منا صاعدة، هـ ينتظرنا بالأعلى. لكن على عكس الرصاصة التي ترفع الروح إلى الأعلى، كانت الهزيمة قادرة على أن تسقطها أرضًا، وتتركها تتحرشج مكسورة غير قادرة على الحراك.
كان يوم المعركة كله يشير إلى نهايته. جاء الموت بكامل عتاده، ومعه الفزع. أفضل ما عندنا لم يكن كافيًا، لم نكن قادرين على الصمود.
كان الوحش المعدني ينفث دخانًا أبيضًا حارقًا يغشى كل شيء، ثم يظهر فجأة من وراءه. بعض السحرة الصغار من بيننا حاولوا ردعه بالنار، تقهقر ثم عاد. كان فوقه فارسًا اسودًا بلا رأس، ويحمل بندقية. صوبها على رأسي، ورأيت ألف رصاصة صغيرة تخرج منها نحوي. تناثر الأحمر على المشهد كله. مسحت عيني وجريت للخلف، حين أدركت أن لم يعد حولي ما يُصمد لأجله. سألني الكثيرون في الخلف "ايه اللي في وشك ده"، لم أرد. أخبرتهم أن هناك رفيقًا غاب في دخان الوحش ولم يعد، وأحتاج إلى البحث عنه. لم أجده.
انسحبنا ونحن نبكي ونعد من سقطوا منا. كان هـ مرتبكًا لا شك، يأتيه الكثيرون، لكنهم ليسوا الرفاق الذين عرفهم.
لعدة أسابيع تلت لم أنم من الكوابيس المتكررة، تعيد لحظة الهزيمة والفرار كل ليلة. في ليلة تلت كنت أسير مع أصحابي في أحد الشوارع المألوفة، كان يومها أجازة. فجأة تسللت لأنفي رائحة الفزع، ودخان الموت. أخبرت من معي بذلك، لم يصدقونني. عند نهاية الشارع رأينا خلقًا يجرون عابرين الشارع من بعيد، ومن خلفهم تتقافز الشياطين بأسلحتهم وضحكاتهم المخيفة.
بدأنا نجري. الشوارع كانت مظلمة، وفقدنا الاتجاه، فقط كلما جريت وجدت أحدهم بجانبي يشير لما ورائي ويقول: اجري! انه وراءك مباشرة! ثم يختفي هاربًا. تعثرت على أحد أحجار الرصيف. انخلع حذائي، ونظرت ورائي فكان الشيطان يقترب بسرعة وأدركت أنني لا فلات لي. لا أدري كيف وجدت سيارة بجواري تفتح لي بابها، ويصرخ كل من فيها لي أن أركب. ركبت، وهربت من الشيطان الذي توقف وهو يعدني بأنها لن تكون آخر مرة.
المعارك التالية كانت حزينة، والأرواح المنكسرة لا تُقبل التضحية بها. تدريجيًا ضللنا الطريق، وفقدنا الرفاق الذين صاروا أشباحًا من ذواتهم السابقة. لعدة أشهر سارت الأمور في نطاق المعتاد، ثم ارتقى أ.
أ كان يشبهنني. كان في نفس عمري، كان يدرس ويلعب الكرة، وكانت لديه فتاة يحبها ويذهب معها إلى السنيما أحيانًا من وراء أهله، وعندما مات كانا متخاصمين. روح أ نجت من الانكسار، لا أعرف كيف، لذا قُبلت. في اليوم الأخير عندما حذروه أنه لا يحمل ما يحميه حتى من دخان الموت، ابتسم وقال أنه سيتوكل على الله. ربما كان يعلم ما ينتظره. ربما ظن أنه لو حاول أن يُفلت، لفلت، ولانضمت روحه لملايين المكسورات.
لم أكن حاضرًا حينها أيضًا، لكنني سمعت بالأمر سريعًا. كنا من أوائل من وصلوا إلى الجثمان في المستشفى، لم يكن حوله سوى أسرة تتحدث ضاحكة بين دموعها أن ابنها شهيد سبقها إلى ما هو أفضل، وصديقٌ له يبكي بحرقة كالمجنون ويكاد يضرب رأسه في الحائط من التشنج، كأنما فقدت روحه السيطرة على جسده، وظلت ترتطم بحوائطه من الداخل طالبة الفرار.
كان أ راقدًا على السرير، وحول رأسه مربوط كي يبقى فمه مغلقًا. كانت عيناه مقفولتين، وقال لنا رجلٌ لا نعرفه قبلوا جبين الشهيد، لا أعرف لماذا. كان جبينه باردًا كالثلج، وسرت رعشة في جسدي. حاولت ألا أصدق أن هذا يحدث.
أمام قبر أ بعد انتهاء الدفن بكيت كثيرًا، وسألت نفسي ألف مرة لماذا نموت نحن. من حولي كان الجمع أغلبه من المراهقين الباكين، قرب النهاية كان المراهقون فقط من ظلوا متمسكين بأمل النصر، لا تدري سذاجةً أم أن سنين الحياة الأقل، تعنى تشربًا أقل لليأس.
ركبنا السيارة عائدين للمدينة. كنا نرتعش من برد الليل المقترب، ومن الدموع المتجمدة على وجوهنا. تناقشنا كثيرًا في جدوى كل ما حدث، حتى علت الأصوات. انتهى النقاش، وصمتنا قليلًا. قال أحدنا بعد برهة:
- هاه مين جاي على البلايستيشن؟
ولم أجد في ذلك غضاضة.
Published on June 29, 2018 12:33


