الحلقة الأولى




يكره البيت الجديد. يكره كل شيء حوله. يكره اتساعه. يكره السكون المعشش بين جدرانه. يكره ظلام الشوارع من حولهم ليلًا، دلالة على أن المنطقة لا يسكنها ما يكفي من البشر لتتم إنارته. يكره غرفته الجديدة. في الغرفة السابقة كان السريرين متقاربين، كان يتحدث مع أخيه بصوتٍ هادئ بعد أن يغلق أبواه الأنوار، حتى لا يسمعوهم. يرسمون سيناريوهاتٍ خيالية على سواد السقف، يحكون بكل مبالغة ما مروا به أثناء اليوم في المدرسة. الآن سرير أخيه في الركن بعيد، وأخوه لم يعد يحادثه. يغط في النوم بمجرد أن تذهب الأنوار، يناديه فلا يرد عليه. يتركه وحيدًا، وسقف الغرفة الجديدة يأبى أن تُرسم عليه الحكايات الجميلة التي كانت تونس ليلته، حتى يحن عليه النوم.هو الآن وحده في الظلام الدامس. شباك الغرفة مُغلق، فالشتاء بارد؛ ولذا فضوء القمر محبوسٌ بالخارج.  هناك فرجة ضيقة بين الزجاج والنافذة، ينفذ منها صوت الرياح. هذه المدن الجديدة اللعينة، فارغة من البشر، وتسكنها كل الأشياء ذات الأصوات المرعبة: الكلاب، والرياح، والجن لا ريب. في المدرسة مدرس يحكي لهم باستمرار –وهوس- عن الجن، ساكني الصحراء والقبور، آكلي عظام الموتى. ربما يحكي هذا فقط لأن هذه القصص تتركهم تحت رحمة خيالهم، تتسلق القشعريرة ظهورهم، ويلتصقون في بعضهم البعض في صمت وخوف. لكنه لا يترك هذه القصص في المدرسة، تصحبه نحو البيت، وتبيت الليلة معه. النوم غاب عن عينه. لاشك أن الساعة جاوزت منتصف الليل، صوت التلفاز بالخارج توقف منذ ما يقارب الساعة، وهذه هي الإشارة على دخول والده للنوم. يغلق عينه، يحاول أن يسلم نفسه للنعاس، يرفضه. يفتح عينيه في انتباه لا يأتيه طوال اليوم، يخنقه الظلام. يحاول أن يغلقها مجددًا، لعله ينساه. تؤلمه عينه، كأنها ترفض أن تُحبس أثناء الاستيقاظ. يدعو الله أن ينام. يتقلب ويصير على جانبه، الغرفة ممتدة أمامه. يكره الاتساع، مساحات أكبر للعفاريت والغيلان كي يختبئوا، ويتحينوا الفرصة للانقضاض عليه. يخبرانه أنه سيعتاد، يخبرانه أن الظلام لا يخيف، يخبرانه أن الوحوش لن تأتي له ليلًا. لماذا إذًا يخبره قلبه بأنهما في كل ذلك كاذبان؟ ولماذا منذ أن انتقل لهذا البيت اللعين، وقلبه مقبوض كأنه في حضرة الموت. ألهذا علاقة بالمدافن القريبة؟ من المجنون الذي يسكن قرب المدافن؟ يكاد يسمع صوت تهشم العظام في أفواه الغيلان. الآن يأتيه النوم، الآن يأتيه. عليه فقط أن يركز في إفراغ ذهنه من كل الأفكار، فكر في اللون الأسود فقط، أو فكر في لعب الكرة. اقنع مخك أنك بدأت فعلًا بالحلم. ها أنت تتجاوز الأول، والثاني. ها أنت تقترب من الهدف. ها أنت تسقط فجأة في هاوية عميقة.انتفض مفزوعًا، وأدرك أنه كان قد نام واستيقظ توًا. لماذا! لماذا لم يكمل نومه حتى الصباح! ربما مرت ساعات، ربما دقيقتان. يكره هذه الليالي. تحدث أكثر من اللازم منذ سكنوا هنا. التفت نحو سرير أخيه، كيف يرقد في سلام هكذا؟ ربما لأنه أخوه الصغير. ربما يشعر بالأمان لأن في الغرفة من هو أكبر منك. ما أسوأ أن تكون أنت أكبر من في الغرفة. ولكن...هل يُهيأ له أم أن سرير أخيه فارغ؟ حتى في الظلام يقدر على رؤية ظل جسده الملتحف بالبطانيات، يبدو السرير الآن مسطحًا. ما الذي يحدث؟ أين يمكن أن يكون قد ذهب؟ فكر في أن يُضيء الأنوار ويتأكد، لكن مفاتيح الإنارة بعيدة عند باب الغرفة. ناداه: "منير". لم يُجب. "منير، أنت هنا؟". أزاح البطانية من عليه، وأدلى قدميه من على السرير. قام وصار محاطًا بالمجهول من كل الاتجاهات. اقترب من سرير منير، وضع يده عليه. السرير بارد، كأنما لم يقربه أحد طوال الليل. السرير فارغ. أين ذهب منير؟خرج إلى الطرقة، أضاء نور الحمام. سار في الشقة ببطء، مناديًا هامسًا: "منير. أين أنت؟" لكنه يعلم أن لا أحد في الشقة. منير ليس في الصالون، ولا غرفة المعيشة، وليس في أحد الحمامات. هل ذهب لوالديه؟ عاد ونظر لباب غرفتهم، كان مغلقًا. حاول فتحه، كان مقفولًا بالمفتاح. عاد للغرفة، واتجه لمفتاح الإنارة. بدأ يظن أن منير يختبئ منه في الغرفة، هل هذا مقلبٌ قاسي؟ بدأ الخوف يتملكه. قبل أن يضع اصبعه على المفتاح، سمع صوتًا قادمًا من الخارج. الستائر جوار سرير منير مباشرة، اقترب منها وفتحها. الشارع أكثر حلكة من المعتاد، هناك عامود إنارة وحيد يعمل. سمع صوتًا ينادي عليه من الخارج، صوت منير. وقف على السرير ينظر خارج الشباك، وهناك لاحظه. على حافة النور يقف، والظلام يُخفي ملامحه. في يده منير، الذي يحاول أن يُفلت منه. رآه منير بارزًا من الشباك، صاح فيه:"ياسين! الحقني!"قفز من على السرير، وجرى نحو غرفة والديه. صرخ فيهما "بابا! ماما! افتحوا الباب! إنه يخطف منير!" لم يسمع حركة بالداخل. أخذ يضرب الباب بقبضة يده بكل ما أوتي من قوة، وأحس به يكاد يسقط من مكانه."اصحوا! اصحوا!"لا يسمعونه. منير بالخارج، يسحبه ذلك الغريب مبتعدًا. ما زال يصرخ. جرى ياسين نحو باب الشقة، ووقف أمامه مذعورًا. ماذا يفعل؟ لن يتركه يأخذ أخاه. ارتعش من الخوف، نادى آخر مرة في يأس:"بابا! ماما!" لم يفتحوا الباب. لم يستيقظوا حتى. فتح باب الشقة، وجرى على السلم المظلم نحو الأسفل، حتى وصل لباب العمارة. كانا أمامه الآن، ووقف ياسين يحدق فيهما في رعب. لم يكن بشرًا. كان طوله نصف طول عامود النور، وكان يمسك بمنير بيدين في غاية الرفع، لكن وراء ظهره كانتا هناك يدان أُخرتان، يشابهان نصال السكاكين. وساقيه لم تكونا كساقين البشر، كانا أربعة، منثنين تحته كسيقان العنكبوت. وكانت رأسه طويلة، لا وجه فيها. سحب منير مبتعدًا ببطء كأن معه طول الليل. منير الذي أخذ يصرخ في فزع حتى ذهب صوته وشحب وجهه، مادًا يده نحو أخيه الواقف على أول الشارع أمام العمارة. تجمدت أقدام ياسين. أحس بالبلل يسيل في بنطاله، حاول أن يصرخ مستنجدًا، لم تخرج الصرخة. وقف يكاد ينفطر بين أن يجري وراء أخيه، وبين أن يصعد مجددًا يستنجد بوالديه. أخيرًا عاد له صوته، يصيح في هلع: "ساعدونا! إنه يأخذ أخي!!"، والشارع كله في ثبات كالأموات. لا يوجد سواهما في مواجهة هذا الشيء. كاد الخوف يهلكه، لكن عاد لياسين عقله لمدة ثانية، وأدرك أنه لن يترك أخاه مهما حدث. بدأ يصرخ: "اتركه! اتركه!"، وأسرع يجري نحوه. الكائن الذي كان في غاية البطء حتى اللحظة، انطلق مبتعدًا بسرعة الريح. جرى ياسين وراءه، لكن أقدام الشيء الطويلة عبرت الشارع المظلم في ثانية، وفي يده منير، واختفى عند الناصية. جرى ياسين وهو يستنجد بالناس الغائبين، فلم يكد يأخذ أنفاسه. وحين وصل لنهاية الشارع التفت حوله فلم يره. نظر لأعلى فلمح الشيء يتسلق سطح أحد العمائر، كأنه عنكبوت ضخم يغطي وحده دورًا كاملًا، ثم اختفى في الظلام. جرى نحو الشارع الذي اختفى فيه، لم يعد قادرًا على رؤية شيء. بدأ يتخبط في الموجودات من حوله، لا يدري أيها الأشجار وأيها أعمدة الإنارة. عرقلته حجارة الرصيف، سقط على الأسفلت، وأحس بيده تنزل في سائل لزج، رفعها وشم رائحة الدم فيها. أدرك بكل يقين دم من هذا. صرخ فزعًا وظل يصرخويصرخويصرخوأدرك أنه ليس وحده من يصرخ، وأدرك أن هذا صوت أمه. فتح عينه فوجد نفسه في سريره، وأن الصباح قد أتى. أمه واقفة أمامه تصرخ وعلى وجهها رعب من رأت الموت، وتدريجيًا أدرك أن هذا الأحمر المتناثر في كل ركنٍ في الغرفة دماء، وأن سرير أخيه فارغ، وأن في يده سكينًا لا يعرف متى جاءت.

1 like ·   •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on November 01, 2018 13:08
No comments have been added yet.